فهرس الكتاب

الصفحة 3064 من 3657

وإن الدول"الحرة"التي تعطف اليوم على المجرم، وتتلمس له المعاذير، وتخف عنه العقوبة أو ترفعها عنه - بعد أن كانت تشتد عليه وتقسو - هذه الدول تصنع ذلك بروح أخرى غير روح الإسلام! فعلم النفس التحليلي، وغيره من الدراسات النفسية والاجتماعية، يبرر الجريمة اليوم على أساس سلبية الإنسان إزاء الدوافع الداخلية أو الخارجية، وانعدام"الإرادة"التي تقوم عليها"المسئولية". ولكن الإسلام لا يهبط إلى هذا المستوى في نظرته إلى الإنسان. إنه لا يلغي كيانه الإيجابي الفاعل المريد. ولا يسقط عنه مسئوليته كإنسان. وإنما هو - مع ذلك - يعطف عليه في لحظة الضعف، ويدرأ عنه الحدود بالشبهات.. فهو في الواقع عطف مضاعف - بالنسبة للمستوى الرفيع الذي يطالب به الإنسان - وهو عطف أكرم ولا شك من ذلك الذي تمارسه الدول"الحرة"على كائن لا إرادة له في نظرها ولا كيان!

أما الدول الجماعية التي تكفل للناس حاجاتهم، وتجعل الدولة مسئولة عنها، وتغني الناس - فيما تقول - عن الجريمة، فإنها تأخذ ثمن ذلك دكتاتورية بشعة، وتحكماً في كل صغيرة وكبيرة، واستعباداً للدولة. بينما كان عمر - الذي طبق هذا المبدأ، مبدأ مسئولية الجماعة ومسئولية الدولة عن حاجة الأفراد [101] - هو الذي يقول:"إن أحسنت فأعينوني، وإن وجدتم في اعوجاجاً لقومناه بحد السيف!"فلا يغضب، بل يقول في هدوء وطمأنينة:

"الحمد لله الذي جعل في رعية عمر من يقومه بحد سيفه!".

الشريعة عادلة في ذاتها، ومطبقة بالمساواة على الجميع.

ولكن هذا وذاك لا يستنفدان كل معاني العدالة في شريعة الإسلام.

ما زالت هناك"الضمانات"المختلفة للفرد الذي يوجه له الاتهام: ضمانة الصدق في الاتهام ذاته. وضمانة حسن التحري. وضمانة التحقيق وضمانة التنفيذ.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [102] .

فهذه الضمانة الأولى.. لا يؤخذ أحد بالظنة. ولا بد أن يوزن الاتهام ذاته ليرى مبلغه من الصدق ومبلغه من الجد، فللناس حرماتهم المصونة وكراماتهم التي لا يجوز أن تمس.. إلا بالحق.

(وَلا تَجَسَّسُوا) [103]

فهذه هي الضمانة الثانية.. لا تكون الجاسوسية من وسائل الإثبات!

وقد روي أن عمر مر ببيت رابته منه أصوات.. فتسور الجدار فوجد قوماً يشربون ويغنون فأراد أن يعاقبهم.. فقام له صاحب االدار فقال عمر: وما ذاك؟ قال: إن الله تعالى يقول: (وَلا تَجَسَّسُوا) وأنت تجسست علينا. ويقول: (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) وأنت تسورت علينا! فلم يجد عمر أمامه إلا أن يستتيبه!

ثم ضمانات التحقيق.. وهنا يرتفع الإسلام إلى القمة التي لم تبلغها الإنسانية في غير الإسلام إلا منذ فترة قريبة، وبدافع الصراع الدموي الطويل الذي فصلناه من قبل، لا بدافع الإنسانية الطليقة التي تكرم"الإنسان"حتى في لحظة الهبوط!

إن المحقق ليست مهمته الإيقاع بالمجرم وتضييق الخناق عليه في التحقيق! ولا يجوز له أن يستخدم وسيلة من وسائل الإرهاب تنتهي بالاعتراف.

جاء في سنن أبي داود (ج 4 ص 191) :"حدثنا عبد الوهاب بن بجدة.. أن قوماً من الكلاعيين سرق لهم متاع. فاتهموا أناساً من الحاكة، فأتوا النعمان بن بشير صاحب النبي صلى الله عليه وسلم فحبسهم أياماً ثم خلى سبيلهم. فأتوا النعمان فقالوا: خليت سبيلهم بغير ضرب ولا امتحان؟ فقال النعمان: ما شئتم! إن شئتم أن أضربهم.. فإن خرج متاعكم فذاك، وإلا أخذت من ظهوركم مثل ما أخذت من ظهورهم! فقالوا: هذا حكمك؟ فقال: هذا حكم الله وحكم رسوله صلى الله عليه وسلم" [104] .

أما الذي يعترف بنفسه.. فالقمة التي وصل إليها الإسلام بشأنه عجب عاجب في التاريخ!

"حدثنا موسى بن إسماعيل.. أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بلص قد اعترف اعترافاً ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما إخالك سرقت؟!"قال: بلى! فأعاد عليه مرتين أو ثلاثاً، ثم أمر فأقيم عليه الحد" [105] .

أما قصة ماعز بن مالك الذي اعترف على نفسه بالزنا فهي قصة مشهورة. فقد ظل يجيء إلى الرسول مرة بعد مرة يعترف لديه والرسول صلى الله عليه وسلم يرده، حتى اعترف أربع مرات، فعاد الرسول يسأله ويستوضحه وينفي له التهمة أو يفتح له طريق الخلاص! فيقول له:"لعلك قبّلت، أو غمزت، أو نظرت".

وماعز يصر ويقول لا! فقال له:"أزنيت؟"قال: نعم! قال:"فهل تدري ما الزنا؟" [106] . فما أقام عليه الحد حتى اطمأن اطمئناناً كاملاً أنه يصر على الاعتراف ولا يريد أن يدرأ عن نفسه العذاب!

فإذا كان هذا هو جو التحقيق فلا مجال بطبيعة الحال لشيء من الوسائل البشعة التي تتخذ في غير الإسلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت