إن الأعلى في تقدير الله ورسوله"هو القائم في حدود الله". هو المنفذ لشريعة الله. هو المهتدي بهدي الله. أياًّ كان مكانه الظاهري في المجتمع. فالقوة الحقيقية لا تستمد من عرض الأرض، ولا من القيم الأرضية المنقطعة عن الله. إنما تستمد من الله. من الإيمان به والاعتزاز بهذا الإيمان. (وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) فالإيمان هو القوة الحقة، وهو مصدر"العلو"ومصدر التوجيه. وكل قيمة سواه زائفة لا تلبث أن تضيع.
أما"الواقع فيها"فهم العصاة المنحرفون في كل جانب من جوانب العصيان والانحراف، بصرف النظر عن مركزهم"الظاهري"في المجتمع. فهذا المركز لا يساوي شيئاً، ولا يقي من الله شيئاً حين يؤدي إلى الميل عن الطريق. بل إنه لا يساوي شيئاً في واقع الأرض، ولا يقي من النتيجة المحتومة حين يأذن الله بتحقيق السنة في أوانها المعلوم! فحين تغرق السفينة من شدة الفساد لا يقول السادة للشعب: اغرقوا أنتم وحدكم ونحن ناجون من الهلاك!
وحين يطلب الرسول من القائمين في حدود الله أن يأخذوا على يد الواقعين فيها لا يحدد مهمتهم بمراكزهم الظاهرية في المجتمع، وإنما بأماكنهم الحقة في سفينة المجتمع وسفينة الحياة، فما داموا مؤمنين فهم القوة الحقة. القوة الموجهة. القوة الآخذة على أيدي العابثين. وهذه مهمتهم، عليهم أن يعرفوها بصرف النظر عن ثرائهم أو فققرهم، ورئاستهم أو مرءوسيتهم.. فما بهذا توزن الأمور..
والأمر الثاني هو وحدة المصلحة في المجتمع، وإن بدت المصالح ظاهرة الخلاف!
إن كل الأمثلة التي أوردناها حول محور واحد، مستمد من معنى حديث الرسول صلى الله عليه وسلم. فهؤلاء قوم لهم"مصالح قريبة"يستنفعون منها على حساب الآخرين. ولو تركهم المجتمع حقبة من الزمن فسوف يستفيدون حتماً من هذا السكون. يستفيدون توفير الجهد، وتوفير مغالبة الشهوات. ويأتيهم رزقهم قريباً سهلا ميسراً لا يتعبون فيه.
ولكن حقبة من الزمن تمضي - طويلة أو قصيرة - ثم يأخذ الفساد في الانتشار وتبدأ السفينة في نهاية المطاف.. تغرق وتأخذ معها الظالمين والمظلومين على السواء! ومن ثم فالمصالح النهائية واحدة. والأخطار النهائية واحدة.. ليست هناك مصلحة لفرد هي مصلحته وحده وشأنه بمفرده. كل مصلحة هي مصلحتهم جميعاً وكل ضرر يصيبهم جميعاً.. ولا يستطيع أحد أن يتخلى عن مسئوليته في هذا السبيل.
وهنا تبرز بعض الحيرة إزاء الآية الكريمة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) [113] . وهي حيرة وقع فيها المسلمون الأوائل أنفسهم فقام أبو بكر رضي الله عنه ينبههم إلى طريق الصواب.
قال: يأيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية.. وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده" (رواه أبو داود والترمذي) .
نعم"عليكم أنفسكم"عليكم المجتمع الذي تعيشون فيه. وليس عليكم غيركم من المجتمعات أو الأفراد غير المسلمين. فهؤلاء لا يضرونكم متى اهتديتم وعملتم بما يريده الله. أما الأعمال التي يقوم بها المسلمون في المجتمع المسلم فليس حكمها كذلك. إنها مسألة حياة أو موت بالنسبة لهذا المجتمع. فإما أن يحس بوحدة المصلحة فيأخذ على يد الظالم - من أي نوع كان ظلمه ؛ لنفسه أو للآخرين - فينجو المجتمع كله، وإما أن يترك الأمر خوفاً وطمعاً أو استهتاراً وتهاوناً.. فتحدث الطامة التي تغرق الجميع.
ومن وحدة المصلحة ينشأ الترابط بين أفراد المجتمع ترابطاً لا يتخلخل ولا تنقطع عراه. إنهم ركاب سفينة واحدة، ناجية أو غارقة، فكيف يمكن أن ينفصل بعضهم عن بعض أو يتجاهل بعضهم وجود بعض؟
وإنه - وهو ترابط المصلحة الواحدة التي يلتقي عندها الجميع - لهو في الوقت ذاته ترابط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله. ترابط التعاون على البر والتقوى وليس ترابط التعاون على الإثم والعدوان.
ترابط لا يقول فيه إنسان: ما شأني أنا بفلان، فليصنع ما يشاء ولن أتدخل في أمره!
ولا يقول فيه إنسان لآخر: ما شأنك بي! سأصنع ما أشاء ولا تتدخل في أمري!
كلا! إن أمور المجتمع لا يمكن أن تستقيم كذلك.. لا بد من يقظة كل فرد لأعمال أخيه، ولا بد من رده عن الخطأ والإسراف فيه.
وليس معنى ذلك أن يتحول المجتمع إلى منازعات ومشاحنات!
كلا! فليس هذا هو الطريق!
(وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ) [114] (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ) [115] .
هذا هو الطريق..