فهرس الكتاب

الصفحة 3104 من 3657

ومن السذاجة بمكان أن نقول إن الاستعمار الصليبي قد رحل من غير رجعة، ولم يعد له وجود أو أثر على الأراضي العربية والإسلامية التي كانت تحت طائلته، وإن غيابه الفعلي الميداني يعني عدم حضوره في كل كبيرة وصغيرة من حياة العرب والمسلمين، ومن يريد أن يتأكد من ذلك فلينظر إلى حال العرب والمسلمين، ويستحكم عقله في كل ما يجري داخل الدول العربية من جمود وخنوع واعتماد شبه مطلق على سواعد نفس الاستعمار الصليبي، وما تجود به هذه السواعد من منتجات غذائىة، وأشياء أخرى تستعمل كلية في معاش هذه الشعوب العربية والإسلامية، وقد قالها صريحة ومن دون مواربة السفير الدنماركي في الجزائر، على خلفية مقاطعة المسلمين للمنتجات الدنماركية، ولو من باب المزاح - وهذا جزء يسير من مكنونهم الحقيقي تجاهنا - إن العرب والمسلمين إذا قاطعوا منتجاتنا فماذا سيأكلون؟ وقد كان السفير محقاً في ما يقول، بل منصفاً كونه نبّه العرب والمسلمين، وحاول إيقاظهم من سباتهم الطويل، وإن كانت لفظته مجرد زلة لسان، تعبر عن فكر رجل يدرك مغزى ومعاني ما ينطق به من كلمات.

وتحضرني مقولة قالها الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في محاضرة له، إن نفس الاستعمار الصليبي لو أخذ منا منتجاته، بالجملة والمفرق، لوجدنا أنفسنا نحن العرب والمسلمين جياعاً وعراة حفاة، لأننا ببساطة شديدة لا نزرع ما نأكل ولا ننتج ما نلبس.

هذه هي الحقيقة التي ينبغي التسليم بها، واحترام كل من يواجهنا بها، أو ينبهنا إليها، سواء كان صديقاً أو عدواً، كما يتوجب علينا أن نقر بأن الأمة العربية والإسلامية تعيش عالة على غيرها، ولاتزال مقيدة بأغلال الاتكالية، وأغلال فكرة تغليب الاستهلاك على الانتاج، وعدم التفكير في المستقبل، وإن كانت هي التي لاتزال تمد استعمار الأمس بكل متطلبات الانتاج والمواد الخام.

ولقد أتيحت للأمة الإسلامية على خلفية الرسوم المسيئة للرسول صلى الله عليه وسلم، الفرصة كي تراجع نفسها، وتعرف قيمتها، بأن تنظر إلى ما تحسنه، ولا تعتمد على ما يأتيها عبر بحارها وأجوائها، كما أتيحت لها الفرصة بأن تستجمع قواها المهدرة في ما لا فائدة منه، وتتقارب فكرياً ومفاهيمياً ما دامت العاطفة الإسلامية استطاعت أن توحد الجميع من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب.

المسلمون على تعدادهم الكبير قادرون اليوم أن يقلبوا الكفة لصالحهم، ويحققوا الخطوة المعجزة نحو المستقبل غير المقيد بما يجود به الاستعمار الصليبي من سلع تكاد تقترب من النفايات، وبتكنولوجيا تلبي فقط النهم الاستهلاكي.. وبما أن الإجماع حاصل على مقاطعة كل منتجات الدنمارك التي لم تقبل أن تتنازل عن كبريائها مثقال ذرة، كي تعترف بجريمتها النكراء، وتعتذر للمسلمين على ما بدر منها من تلك الرسوم المسيئة للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، فإن مواصلة حملة المقاطعة تصبح في حكم الفرض الشرعي، ولايجوز لأي كان أن يشق هذا الإجماع مهما كانت صفته، ومهما بلغ مقامه.

وقد كنا نأمل من الدكتور طارق سويدان، الذي كان أكثر حزماً في مؤتمر كوبنهاجن عندما طالب بحرية التعبير حول المحرقة اليهودية الهولوكوست ومعاداة السامية، ألا يستدرج للحوار مع الدنمارك قبل أن يكتمل الحوار مع بقية علماء الأمة القادرين على استنباط الحكم في مثل هذه المسائل الحساسة، ما دامت الجماهير المسلمة لاتزال تعيش حالة من الحراك والديناميكية، ولاتزال على أهبة الاستعداد لأن تقبل بأي توجيه يؤدب المستهترين من الدنماركيين ومن حالفهم على مسلكهم الوضيع، لأن هذا الحراك الجماهيري الإسلامي العريض في واقع الأمر والحال يعتبر ظاهرة صحية، يكشف واقع هذه الأمة المترامية الأطراف، بأنها أمة وإن كانت مريضة لكنها ليست أبداً أمة ميتة.

فالمسلمون أثبتوا من خلال مقاطعة المنتجات الدنماركية - والحقيقة ليست الدنمارك منذ خلت فقط على خط نار المواجهة العلنية، فلقد نسينا على سبيل المثال إسبانيا وألمانيا ونيوزلندا والنرويج، وهذه الدول معظمها لم تتعرض منتجاتها للمقاطعة كما تعرضت منتجات الدنمارك - إنهم يمتلكون القدرة الفعلية على خلخلة الموازين، وزعزعة اقتصاديات الدول مجتمعة بدلاً من دولة واحدة، وهذه تعتبر الخطوة الأولى في طريق الاعتماد على النفس.

وإذا ما سمحنا لأنفسنا وعاتبنا الذين زاروا الدنمارك، فذلك من باب الحرص على عدم تشتيت جهود الجماهير المسلمة العريضة التي عبرت بعفوية شديدة عما تشعر به، وتتحسسه من عاطفة دينية متقدة، وكذا الدخول في متاهات الجدل العقيم الذي لا يخدم أحداً من الأمة العربية والإسلامية في هذا الوقت الحساس والعصيب، ولكن يخدم الاستعمار الصليبي الحاقد، ومخططاته الجهنمية، لكي يبقى على نفس الإيقاع الاحتلالي الذي تعود عليه منذ عدة قرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت