وأشار إلى أن المستقر في المجتمع أن السلطة التشريعية مأخوذة من الكتاب والسنة؛ فالفقهاء كانوا يدرسون للطلاب، وهؤلاء كانوا موجودين بشكل أهلي في المساجد يعلمون الناس، وكانت قوانين الكتاب والسنة هي قوانين درجة أولى، ثم تأتي اجتهادات الفقهاء كقوانين درجة ثانية، وكان القاضي يتصل بالشريعة مباشرة، ومن ثم فمن خلال فهم النظام الإسلامي ندرك أن السلطات الثلاث كانت موجودة.
ومن الأسئلة التي تؤكد ذلك: هل يجوز للإمام أن يعين القاضي ويفرض عليه رأيا معينا؟ الراجح عند الفقهاء مقولة"صح التعيين وبطل الشرط"، وبالتالي ووفقا للمقاييس الغربية فالسلطة التشريعية منفصلة عن السلطة القضائية المنفصلة عن السلطة التنفيذية. هذا الأمر لم يكن المستشرق يستطيع أن يتوصل إليه.
انتقاء الإدراك
وأشار البشري إلى أن المفكر الغربي اهتم من التراث الإسلامي بأمرين:
الأول: اهتم بالصوفية لاقترابها من المسيحية في بعض الجوانب.
الثاني: اهتم بالفلسفة نظرا لأن الفلسفة تبحث عن الشرعية في تنظيم المجتمع.
ولم يهتم المستشرقون بالفقه رغم أن التكوين الأساسي للجمهور العربي الإسلامي جاء من الفقه أكثر منه من الفلسفة، فمثلا اهتم الغرب بـ"السهروردي"في حين لم يهتم بـ"الشافعي"، كما أنه اهتم بالصوفية في جانبها العقلي ولم يهتم بها في جانبها الاجتماعي، والتكوينات الاجتماعية التي أنشأتها. وأنه عندما قرأ كتاب"عادات المصريين المحدثين"لـ"إدور وليم لين"للمرة الأولى انبهر به لدقته وقدرته على الوصف والحياد، وعندما أعاد قراءته بعد ثلاث سنوات اكتشف أن الرجل لم يستطع أن يدرك العمق الروحي للمصريين، حتى بدت له مادة الكتاب وكأنها جثة محنطة بدون روح؛ فمثلا أورد حكاية طريفة عن شيخ كان يركب حمارا ثم وقع من على ظهره وابتعدت عنه العمة (غطاء الرأس) فهرع الناس إلى العمة وتركوا الشيخ؛ فالناس اعتبروا العمة رمزا ولذا انصرفوا إلى الرمز وتركوا الشخص.
هذا المشكل يتعلق بنظرة المفكر الغربي لنا ولتراثنا، فهو لا يستطيع أن يدرك كنهه مهما كان متفهما له، ومهما كان متعاطفا مع قضاياه، ويؤكد ذلك مالك بن نبي عندما قال:"المثقف الإنساني الغربي يستطيع أن يفهم مشاكلنا نحن الشرقيين، ويستطيع أن يقف معنا في مشاكلنا الاقتصادية والسياسية بدافع من الإنسانية، لكن لن يفهمك من الناحية الثقافية؛ لأنه مستغرق في ثقافته هو"فمثلا لن يفهم الجهاد، ولكنه يفهم حركات المقاومة.
وأكد البشري أن كتابات المستشرقين قد نجد فيها أمانة، ودقة، وفيها قدرة على جمع معلومات جيدة، لكنها خاضعة لمعايير احتكام ليست مستخلصة من الثقافة الإسلامية وتاريخها، فالمستشرق يحتكم إلى معايير مستخلصة من خبرته التاريخية وثقافته.
أما علم الأنثروبولوجيا الذي يتعلق بدراسة المجتمعات وعاداتها وتقاليدها، فإن هذا العلم نظر إلى العلاقة مع تلك المجتمعات في الشرق على أنها علاقة باحث ومبحوث، بين طرف مدرك، ومادة مبحوثة مدركة، ولم ينظر إلى العلاقة على أنها بين إدراكين؛ ولذلك نجد فروقا في الجوهر؛ فمثلا لا يقبل العقل الغربي بتعدد الزوجات، في حين أنه يقبل بوجود علاقات متعددة خارج إطار الزواج.
الأمر الآخر يتعلق بأنه في كثير من الموسوعات ستجد أنها تركز على أن العنصر المادي هو المحرك والأساس للأحداث، فمثلا البارود كانت بداية اكتشافه في الصين لكنه لم يستخدم في القتل؛ إذ كان هناك تفاعل بين الفكر والثقافة والتكوين النفسي وبين التطور المادي.
المعاصرة.. غربية
وفيما يتعلق بموضوع المعاصرة أشار البشري إلى محاولة الغرب دائما -بحكم التطور المادي- جعل موضوع المعاصرة هو الأساس في التعامل مع الآخر، فهو يقيس معاصرتنا على أساس بعدنا أو قربنا منه. وللأسف الشديد وقع المسلمون في هذا الوهم خاصة بعد استقلال الدول العربية.
ففي أثناء الاستعمار كانت المواجهة مع الغرب مواجهة سياسية، وهذه المواجهة جعلت المواطنين أكثر صلابة ثقافيا، وعندما نجحت حركات التحرير في تحقيق الاستقلال، ونظرت إلى المستقبل وجدت أنها تريد أن تنشئ مجتمعاتنا على غرار الغرب، ولذا نظر إلينا الغرب على أننا مجتمعات ودول نامية، ودخلنا في نفس النفق الذي يريد الغرب منا أن نسير فيه، فأصبح الغرب هو المعيار والميزان، ولم تستطع حركاتنا الوطنية أن تستمر مددا طويلة في هذا الشأن.
ونلاحظ أن أي فكر إذا دخلت في إطار تجربته التاريخية والتطبيقية يصبح نافعا أو غير نافع، فمثلا الديمقراطية عندما وظفت في إطار الحركة الوطنية لتحقيق الاستقلال نجحت الحركة الوطنية، والاشتراكية أنتجت عندما ارتبطت بفكرة الاستقلال الوطني، وعندما وظفها الشيوعيون والقوميون لم تنتج.
ومن ثم فالمسألة لا تتعلق بمطلق الأخذ من الغرب، ولكن بما نأخذه، كما أن المعيار الواجب الاحتكام إليه لا بد أن يكون من داخل الجماعة وليس من خارجها.
وأشار البشري إلى أننا نحتاج الفكر الغربي في أمرين مهمين:
علوم الصناعة وفنونها.