فهرس الكتاب

الصفحة 3198 من 3657

مثلا كلمة (الحرية) و كلمة (المساواة) ، تردد على لسان كثير من أبناء الأمة الإسلامية، وهي كلمات غربية بدلالات غير إسلامية. هذا أقل ما يمكن أن يقال فيها. فـ (الحرية) تعني حرية المرأة في التبرج والسفور بل والعري، ومخالطة الرجال في أماكن العمل وفي أماكن اللهو بما لا يخفى، والحرية عندهم تشمل حرية الكلمة وإن كانت سبًا لله ورسوله وطعناً في الدين، أو غمزا لعباد الله الموحدين.

وعندنا" (مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (قـ: 18) "إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لَا يُلْقِي لَهَا بَالًا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّمَ""

و (المساواة) عندهم تشمل تسوية الرجل بالمرأة في كل شيء. وعندنا للمرأة ما ليس للرجل، وللرجل ما ليس للمرأة، وعلى كلٍ من الحقوق ما ليس على الآخر، تبعا للاختلافات الجسمية والنفسية. (... وليس الذكر كالأنثى) حِكْمة العليم الحكيم الذي يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير، والمساواة عندهم تعني أيضا مساواة أهل الكفر بأهل الإيمان، وعندنا"أفنجعل المسلمين كالمجرمين. مالكم كيف تحكمون. أم لكم كتاب فيه تدرسون"؟؟!!."."

فبينهما فرق: بين معاني الألفاظ الحديثة فيما هي مستعملة اليوم فيه، ومعناها في الشرع، فرق يجب الوقوف عليه، ولا يردد هكذا دون تدبر.

فلو علموا أن هناك خصوصية للشريعة الإسلامية في المفاهيم والتصورات، ما رددوا هكذا بدون وعي ولرجعوا إلى الشريعة الإسلامية يستنطقونها ماذا تقول في كل ما يعرض عليهم.

والمطلوب ممن يعرض السيرة النبوية على الناس أو يقرأها هو أن يبين هذه الخصوصية في المفاهيم والتصورات ومعاني الألفاظ وهو يعرض الغزوات مثلا، وهو يشرح بعض مواقف النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه أو أعدائه. لتتكون مناعة فكرية عند من يسمع نحن في أمس الحاجة إليها اليوم في هذه الأيام.

حادي عشر:الدعوة الإسلامية دعوة عملية وليست مفاهيم نظرية.

من يتدبر حال النصرانية مثلا يجد أنها تحولت إلى مجموعة من المفاهيم النظرية التي يكفي مجرد التصديق بها للانتساب إليها، وإذا انضم إلى هذه المفاهيم ممارسة بعض الشعائر التعبدية فإن الشخص يعتبر من المتدينين.!

حتى أنك حين تستمع إلى دعوة النصرانية مثلاً تجد أنها دعوة إلى التصديق بأمور نظرية، مثل قضية التثليث، وقضية الصلب والفداء، وقداسة الباباوات. وبعض الشعائر التعبدية، والحياة بعد ذلك تخضع لما يمليه عليهم الواقع، أو ما يحلو لأحبارهم ورهبانهم وأرباب الرأي فيهم.

وكذا أصبحت البوذية واليهودية، وكاد الإرجاء أن يفعلها بالدعوة الإسلامية لولا أن الله قيض لهذا الدين رجالاً أحيا بهم السنة وأمات بهم البدعة.

وأعرض بعض المشاهد من السيرة النبوية، لأبين بها أن الدين لم يكن يوما ما نظرية مجردة ولا مجادلة فكرية يكتفي بمجرد الاقتناع فيها...

تروي لنا كتب السير أن مسلمة جلست في سوق بني قينقاع في المدينة عند صائغ يهودي فراودها عن كشف وجهها فأبت عليه، فعقد طرف ثوبها إلى ظهرها على حين غفلة منها، فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحكوا بها، فصاحت. فوثب رجل من المسلمين على الصائغ اليهودي فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه.

هذا مشهد من المشاهد ترويه لنا كتب السيرة، والمشهد التالي له مباشرة في كتب السيرة هو حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لبني قينقاع وإصراره على ذبحهم لولا وقاحة بن سلول في شفاعته لهم. وسقط من كل الروايات ما بين المشهدين ما حدث في السوق والحصار من الأحداث، كأن الحدثين متلاصقين.

فلم تروِ لنا كتب السير أن أحدًا تكلم بأن مَن فعل الفعلة قُتل فكفّوا أيديكم يكفي؛ ولم تروي لنا كتب السير أن أحدًا تكلم بأن الأمر لم يتجاوز كشف جزء من العورة لفترة وجيزة، ولم تروي لنا كتب السير أن أحدًا تكلم بأن لبني قينقاع إخوة في الدين والملة في ذات المدينة، هم بنو قريظة وبنو النضير وورائهم في خيبر عدد وعتاد ولهم حلفاء من غطفان، وغطفان يومها غطفان. بل لم يتكلم أحد مطلقًا.. لم تروي كتب السيرة سوى فعل، وهو حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم حتى أجلاهم.

وتروي لنا كتب السيرة أن الرسول صلى الله عليه وسلم ذهب في عشرة من أصحابه لبني النضير يطلب منهم وفاء ما عاهدوه عليه، فغدروا وهمُّوا بقتله صلى الله عليه وسلم وحين علم بغدرهم وهو جالس تحت جدار بيت من بيوتهم قام ولم يتكلم، وأعد الجيش ولم يتمهل، وحاصرهم حتى خربت بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين، وخرجوا منها أذلاء صاغرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت