فهرس الكتاب

الصفحة 3211 من 3657

والحقيقة الثانية: هي أن هذا الغرب الذي تأتي منه أغلب هذه الهجمات ليس كتلة واحدة ولا موقفاً واحداً إزاء الإسلام.. صحيح أن الأكاذيب والافتراءات تملأ الكتب المدرسية الغربية حتى لقد رُصدت هذه الأكاذيب في مشروع بحثي أنجز في ألمانيا، فبلغت ثمانية مجلدات!!.. وصحيح أن هذه الأكاذيب تنتشر في الثقافة الشعبية الغربية التي تصور المسلمين عبدة للثالوث!!.. وتصور رسول الإسلام كاردينالاً كاثوليكياً رشح نفسه في انتخابات البابوية، فلما رسب أحدث انشقاقاً هو الأكبر والأخطر في تاريخ النصرانية!!.. إلى آخر مخزون ثقافة الكراهية السوداء في المجتمعات الغربية إن كان له آخر! ... لكن.. ومع هذا.. فإن هناك عدداً كبيراً من علماء الغرب ومفكريه قد قادتهم عقولهم إلى احترام الإسلام والثناء على حضارته، والإنصاف لتاريخ الأمة الإسلامية.

ولذلك، فعلينا أن نواجه الافتراءات الغربية بمشروع فكري نقدم فيه للغرب وعلى نطاق واسع... شهادات هؤلاء العلماء والمفكرين الغربيين، المنصفة للإسلام، وذلك من باب"وشهد شاهد من أهلها".. فالأمر المؤكد أن هذه الشهادات ستكون أجدى وأفعل في كشف الزيف الذي تمثله حملات العداء والتشويه للإسلام..

والحقيقة الثالثة: هي أن أفكار الجمود والتقليد والغضب والعنف، التي لا تخلو منها مجتمعاتنا الإسلامية، يسلط أعداؤنا عليها كل الأضواء، بل ويبالغون في تصويرها حتى تغطي على تيار الوسطية والاستنارة والاعتدال في الفكر الإسلامي وهو التيار الأوسع والأعرض والأعمق وذلك لتشويه كامل الصورة الإسلامية، ولإخافة الشعوب الغربية من الإسلام، فتنخرط وراء حكوماتها الاستعمارية في الحرب على عالم الإسلام.. وفي مواجهة ذلك علينا أن نقدم للإنسان الغربي مشروعاً للتعريف بالإسلام نترجم فيه الفكر الوسطي الإسلامي، وأن تقدم هذا المشروع المؤسسات الإسلامية المعروفة بالوسطية والتاريخ العريق مثل الأزهر الشريف وذلك لنقول لهؤلاء الآخرين: هذا هو الإسلام، لمن أراد أن يعرف حقيقة الإسلام.

هناك علاقة جدلية بين"الدفاع"و"الهجوم"، وإذا كان"الدفاع"غير"الاعتذار".. فإن علينا ونحن ندافع عن الإسلام إزاء التهجمات التي توجه إليه، والإساءات التي توجه إلى رسولنا ، وخاصة من دوائر الهيمنة السياسية والإعلامية الغربية.. علينا ونحن نعرف الآخرين بحقائق سماحة الإسلام وعدالته أن نتخذ موقف الهجوم على الفكر العنصري والدموي الذي تزخر به المواريث الدينية والحضارية لدى هؤلاء الغربيين الذين يهاجمون الإسلام والذين يبصرون"القشة"في عيون غيرهم، ويتعامون عن"الأخشاب والأشواك"التي تمتلئ بها عيونهم!.. وعلى الذين ينتقدون"الخطاب الديني الإسلامي"أن ينظروا أولاً إلى خطاباتهم الدينية والثقافية، الطافحة بالعنصرية والدموية والاستعلاء والتمركز حول الذات وإنكار الاعتراف بالآخرين...

كذلك، يجب علينا ونحن ندافع عن الإسلام، ونرد سهام خصومه، أن نستخدم سلاح الوعي بحقائق التاريخ.. والوعي بحقائق الواقع الذي نعيش فيه.. فنذّكر الذين يتهمون المسلمين بالعدوانية والإرهاب: أن الشرق قد تعرض لعدوان الغرب واستعماره وقهره ونهبه منذ ما قبل الإسلام.. وبعد ظهور الإسلام.. فالقضية أقدم حتى من الإسلام!..

فالإغريق والرومان والبيزنطيون قد احتلوا الشرق وقهروه حضارياً ودينياً وثقافياً ولغوياً عشرة قرون من"الإسكندر الأكبر" (356 324ق.م) في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى"هرقل" (610 641م) في القرن السابع للميلاد...

لما حررت الفتوحات الإسلامية أوطان الشرق وضمائر شعوبه من هذا القهر الاستعماري... عاد الغرب ليختطف الشرق من التحرير الإسلامي، فشن عليه حملاته الصليبية التي دامت قرنين من الزمان (1096 1291م) ، ولم يتورع الغرب إبان هذه الحروب الصليبية التي رفع فيها أعلام النصرانية عن أن يتحالف مع التتر الوثنيين ضد الإسلام!

ولما حررت دول الفروسية الإسلامية الشرق من جيوش الصليبيين وأزالت قلاعهم وكياناتهم الاستيطانية.. عاد هذا الغرب الاستعماري منذ إسقاط غرناطة (1492م) إلى القيام بغزوته الحديثة، فالتف حول العالم الإسلامي، ثم أخذ بغزوة بونابرت سنة 1798م في ضرب قلب العالم الإسلامي، ومازلنا نعالج آثار هذه الغزوة، التي مضى على بدايتها خمسة قرون.. والتي لم يتورع فيها الغرب الاستعماري الحديث عن التحالف مع أعدائه التاريخيين اليهود الصهاينة ضد الإسلام والمسلمين كما سبق وصنع الغرب الصليبي بتحالفه مع الوثنية التترية في العصر الوسيط!

ثم... على الغرب الاستعماري أن ينظر قبل اتهامه الإسلام وأمته بالعدوانية والإرهاب!- أن ينظر إلى خريطة الواقع الذي نعيش فيه..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت