فهرس الكتاب

الصفحة 3228 من 3657

لقد قال"جاك بيرك"هذا الكلام، المعبر وهو الخبير في الثقافة الغربية وفي الإسلام معاً عن نفي الغرب للإسلام وحضارته وأمته، كموقف ثابت ودائم.. وقدَّم هذه الصورة للإسلام في الثقافة الغربية والحضارة الغربية والممارسات الغربية، قبل"قارعة سبتمبر سنة 2001"بسبع سنوات!... وكأنه كان يصف"طوفان"ثقافة الكراهية السوداء التي انهالت على الإسلام وأمته وحضارته عقب سبتمبر سنة 2001م!.

فنحن أمام موقف ثابت ودائم من قبل المشروع الكنسي الغربي.. والمشروع السياسي والحضاري الغربي.. وهو موقف ينفي الآخر الإسلامي، ليبرر العدوان الاستعماري والهيمنة الحضارية على عالم الإسلام.

الهوامش

(1) صحيفة"الأسبوع"القاهرة في 5-11-2001م، وصحيفة"العالم الإسلامي"مكة في 16-11-2001م، وصحيفة"عقيدتي"القاهرة في 6-11-2001م.

(2) من حديث جال بيرك في 27-6-1995م. انظر: حسونة المصباحي"العرب والإسلام في نظر المستشرق الفرنسي جاك بيرك"، صحيفة"الشرق الأوسط"لندن في 1-11-2000م.

صورة الإسلام في الخطاب الغربي (5)

د.محمد عمارة

إن"الجدل"بين"الواقع"و"الفكر"هو حقيقة علمية، لا تنفرد بها بعض الفلسفات الاجتماعية الغربية.. بل لقد سبق الإسلام إلى تقرير هذه الحقيقة فيما عرفناه من العلاقة بين آيات القرآن الكريم"ومناسبات"نزولها.. والعلاقة، بين الأحاديث النبوية و"أسباب ورود"هذه الأحاديث.. وهذا"الجدل"بين"الواقع"و"الفكر"هو مما تكاد تلمسه العقول في الدراسات الاجتماعية لنشأة الأفكار وتطورها.

ولقد كان"واقع"الاستعمار الغربي للشرق منبعاً أصيلاً لكثير من الصور الزائفة التي صنعها الغرب للشرق وهي الصور التي عادت لتزكي ولتبرر، في المخيلة الغربية، نزعة الاستعمار والاستعلاء والاحتواء والاستغلال.

ولأن تاريخ الاستعمار الغربي للشرق سابق على ظهور الإسلام، فلقد صنع الغرب الروماني والبيزنطي للنصرانية المصرية والشرقية، ولثقافة الشرق وحضارته الصور الزائفة التي بررت القهر والاضطهاد والإبادة التي مارسها الرومان والبيزنطيون عشرة قرون ضد الشرق والشرقيين من"الإسكندر الأكبر" (356 323ق م) في القرن الرابع قبل الميلاد وحتى"هرقل" (610 641م) في القرن السابع للميلاد.

ولأن الإسلام هو الذي حرر بفتوحاته أرض الشرق من الاستعمار والاستغلال الروماني البيزنطي، وحرر ضمائر الشرقيين من الاضطهاد والقهر الديني والحضاري، فلقد بدأت الصورة الغربية المعادية للإسلام وحضارته وأمته ودولته وعالمه تتبلور في الثقافة الغربية الدينية.. والمدنية منذ ذلك التاريخ.. لقد كانت الحضارة الشرقية، بنصرانيتها اليعقوبية، هي"العدو البربري الهمجي"بنظر الرومان البيزنطيين .. فلما أصبحت الحضارة الشرقية إسلامية، أصبحت هي العدو الجديد، الذي حلت صورته محل صورة العدو القديم.. تماماً كما صنع الإعلام الغربي عقب سقوط الشيوعية في العقد الأخير من القرن العشرين ورسخ أن الإسلام هو العدو الذي حل محل إمبراطورية الشر الشيوعية!.

لقد بدأ العداء الغربي للإسلام منذ ظهور الإسلام وتحريره الشرق والشرقيين من هيمنة الرومان.. وفي هذا المقام يقول الكاتب والقائد الإنجليزي"جلوب باشا" (1897 1986م) كلمته التي توقظ النيام!:

"إن تاريخ مشكلة الشرق الأوسط إنما يعود إلى القرن السابع للميلاد"!!.

ومنذ ذلك التاريخ توالت محاولات الغرب إعادة اختطاف الشرق من الإسلام:

فكانت الموجة الاستعمارية الصليبية، التي دامت قرنين (489 690ه 1096 1291م) والتي شارك فيها الغرب كله، بقيادة الكنيسة الكاثوليكية، وتحويل المدن التجارية الأوروبية وسيوف أمراء الإقطاع الأوروبيين.. ولقد انتهت هذه الموجة بالهزيمة على يد الفروسية الإسلامية، التي اقتلعت قلاعها، وهدمت حصونها، وأزالت كل آثارها.

ثم جاءت الموجة التترية زاحفة على الشرق الإسلامي، بدعوة من الصليبيين الأوروبيين الذين تحالفوا مع الوثنية التترية ضد التوحيد الإسلامي!... ولقد هددت هذه الموجة التترية التي كان يقود جيوشها نصارى نساطرة! هددت الوجود الإسلامي ذاته.. ثم كانت هزيمتها الساحقة على يدي الفروسية الإسلامية في"عين جالوت" (658ه 1260م) .. ثم انتهت بانتصار الإسلام في عقول وقلوب التتار، فدخلوا الإسلام، وتحولوا إلى سيوف في معارك هذا الدين!..

ومنذ سقوط"غرناطة" (897ه 1492م) ونجاح الصليبية الأوروبية في اقتلاع الإسلام وحضارته المشرقة وثقافته السمحة من الأندلس، بدأت مرحلة جديدة في هذه الحرب الغربية على الإسلام وأمته وحضارته وعالمه... بدأت مرحلة الالتفاف حول العالم الإسلامي مرحلة التطويق مروراً بسواحل إفريقيا الغربية والجنوبية.. ووصولاً إلى الأطراف الإسلامية في الجنوب الشرقي لآسيا الفلبين.. والهند.. وإندونيسيا .. وذلك تمهيداً لضرب قلب العالم الإسلامي الوطن العربي بحملة"بونابرت" (1769 1821م) على مصر (1213ه 1798م) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت