فمنذ اندلاع الانتفاضة الفلسطينية في الأرض المحتلة وسماح عرفات وعصابته للشعب الفلسطيني للتعبير عن رفضه للاحتلال اليهودي والبطش الصهيوني انتشرت في أنحاء العالم الإسلامي دعوات لمقاطعة المنتجات والمصنوعات اليهودية والأمريكية, ودفع الناس إلى عدم التعامل في هذه البضائع والسلع. وقد أخذت حملات المقاطعة عدة صور: فتاوى من علماء ومشايخ, منابر المساجد في بعض البلاد, رسائل بريدية إلكترونية تصل إلى عشرات الألوف من رواد الإنترنت, نشرات توزع في الشوارع والميادين, كتب ورسائل وحملات إعلامية من خلال القنوات الفضائية وغيرها من وسائل إعلامية …
وبررت كثير من القوى الشعبية الإسلامية حملات المقاطعة تلك بأن هذه المقاطعة تحاول وقف الدعم المالي المباشر والغير المباشر الموجه لآلة القمع الإسرائيلية؛ سواء عن طريق البضائع الإسرائيلية, أو عن طريق حليفتها الأمريكية التي تمدها بمختلف أنواع الدعم من معنوي ومالي, وأن هذا هو الطريق الوحيد ـ أو شبه الوحيد ـ أمام الجماهير المسلمة لمساندة انتفاضة الأقصى, بعد أن حالت الأنظمة التي تجلس على سدة الحكم في الأقطار الإسلامية بين هذه الشعوب وشعبنا الأسير في فلسطين لنجدته ونصرته.
ونحن ـ كموقف مبدئي مع المقاطعة تلك ـ نناصرها ونؤيدها؛ ليس باعتبار أنها السبيل الوحيد لمواجهة اليهود, ولكن باعتبارها وسيلة من ضمن العديد من الوسائل في مواجهة الهجمة اليهودية البروتستانتية على العالم الإسلامي, هذا من حيث الهدف العام لحملة المقاطعة. أما من حيث الوسيلة المطبقة لهذه المقاطعة فلنا بعض التحفظ, أو ندعو لتوسيع رؤية واقع هذه المقاطعة والمصالح والمفاسد المترتبة عليها.
فأولى هذه الاعتبارات التي يجب مراعاتها والنظر إليها عند الحديث عن المقاطعة:
**مئات الألوف من العمال الذين يعملون في المصانع والمحلات التي أصبحت على وشك الغلق والإفلاس من جراء المقاطعة والتشريد وانقطاع المورد الرئيسي لدخلهم, مع ملاحظة أن هؤلاء العمال يعولون أسرهم مما يتعدى الضرر إلى ملايين الأفراد, في ظل أزمة اقتصادية خانقة تمر بها أغلب دول المنطقة, وبطالة فاقت نسبها كل حد, وما تشكله من انهيار أخلاقي واجتماعي شديد, في ظل عجز الأنظمة وعدم قدرة فصائل الصحوة الإسلامية على استيعاب هؤلاء وتوفير ما يعول أسرهم نتيجة للظروف الأمنية وغيرها مما تمر به الصحوة. وغني عن البيان ومما يعزز وجهة النظر تلك أن هؤلاء المطالبين بالمقاطعة لا يجرؤون على مطالبة مئات الألوف من العمال الفلسطينيين على ترك المصانع الإسرائيلية التي يعملون بها.
**التفريق بين بعض الدول ذات المستوى المعيشي المرتفع والأخرى التي تجاوزت فيها نسب الفقر أي خط, فالأولى تبدو المقاطعة فيها أكثر قبولا حيث القدرة على تنويع السلع والبضائع والقوة الشرائية التي تحصل عليها بأي سعر, أما الثانية فالخيارات أمامها قليلة والقوة الشرائية لدى المواطن المتوسط الدخل فيها محدودة وهذا التفريق يسري في البلد الواحد مع تعدد مستويات الدخل بين طبقاته.
**وإذا كانت مقاطعة اليهود والأمريكان واجبة الآن لما يفعلونه بالمسلمين ومن انتهاك للمقدسات، إذا كانت هذه أحد أسباب المقاطعة أو أهم أسبابها فإن الأنظمة العربية أولى بالمقاطعة تلك, فكثير من المشروعات والمنتجات التي يصب دخلها في موازنة هذه الأنظمة تعود وترتد سلاحًا في نحور إخواننا الذين يجاهدون هذه الأنظمة, وتتدعم بها أجهزة الإعلام وأنظمة التعليم لإفساد الناس والحيلولة بينهم وبين الإسلام فيما يعرف باسم"الأرض المحروقة", ويشيد بها سجونًا وقلاعًا محصنة تنتهك فيه كرامة الأخ المسلم ويتمنى أن يعامل فيها معاملة الحيوان.
وأسوق هذه الواقعة التي رواها لنا أحد الأخوة ممن نثق في دينه والتزامه عن واقعة حدثت أمامه في إحدى هذه المعتقلات عندما كان يجري التفتيش فيها على أي متعلقات شخصية للمعتقل الممنوع عنه أي زيارة أو حديث، المكدس في زنزانة يوجد فيها أكثر من ثلاثين معتقلاً وهي أصلاً مصممة لتستوعب ثمانية أفراد, وكان من ضمن الممنوعات والتي يجري عليها التفتيش بدقة وبحزم وتعاقب عليه الزنزانة بأكملها إن وجد كتاب الله وكان الإخوة يشترونه من الحراس خلسة بثمن باهظ لكي يقسموه إلى ملزمات صغيرة لكي تتمكن عدة زنازين فيها مئات من قراءته وتلاوته وكانوا يجتهدون في إخفائه لدرجة إخفائه في أماكن لا يجوز فيها شرعا إخفائه كدورة المياه مثلاً!!! ولكنها الحاجة الشديدة للقرآن لأنه كان بمثابة الروح التي تعينهم على البقاء في ظل هذه الأجواء.