إنه لمن المكابرة وقصر النظر أن نتجاهل ما توصل إليه الآخر من إنجازات حضارية حققها بعد كفاح مرير وتضحيات جسيمة ونتوقع منه كي يجارينا في حوارنا معه أن يعود أدراجه في التاريخ إلى الوراء ويتقهقر إلى تلك المرحلة من ماضيه التي كان فيها تفكيره آنذاك يتمشى مع تفكيرنا الآن وسلوكه يتمشى مع سلوكنا. من يعيش في مجتمع يحكمه القانون وتسوده العدالة وتتحقق فيه كرامة الفرد وحقوق الإنسان وحرية التعبير والتفكير لا يمكن أن يتراجع عن كل هذه المكتسبات ويعود القهقرى لينفض الغبار عن قناعات خبرها وكافح ليتخلى عنها ويودعها إلى غير رجعة. ومن المضحك والمستهجن، في نظر الآخر، أننا بينما نسمح لأنفسنا أن نستمتع وبشراهة منقطعة النظير بكل ما تنتجه مصانعه من أجهزة ومعدات فإننا في الوقت نفسه نرفض وننكر ما يقف وراء هذه المنجزات التقنية من علم وفكر، بل إن منا من يوظفها في محاربة هذا العلم والفكر الذي يقف وراءها وفي تكريس التخلف ونشر الدمار بدلا من تعمير هذا الكون الذي هو أعظم مسؤولية ألقاها الخالق على عاتق الإنسان وأعظم كرامة كرمه الله بها.
ولا ننس أن الآخر مؤهل للحوار معنا أكثر مما نحن مؤهلون للحوار معه. لماذا؟ لأننا لا نعرف عنه شيئا بينما هو يعرف عنا أكثر مما نعرف عن أنفسنا. علينا أن نعترف بأن اكتشافنا لكنوز حضارتنا جاء عن طريق مدارس الاستشراق التي نبهتنا لهذه الكنوز ونحن عنها غافلون. أليس علماء الآثار عندهم هم الذين نبشوا حضارات الشرق القديم؟ ألم نزل مضطرين للجوء إلى خبرائهم وما يصدر عن مؤسساتهم الأكاديمية ومراكز الأبحاث ودوائر الاستخبارات عندهم لمعرفة أي شيء نريد معرفته عن شعوبنا وأوطاننا وثرواتنا وعن مجتمعنا وثقافتنا؟ ألسنا نرتجف خوفا من مقاطعتهم لنا قناعة منا أننا لا نستطيع تدبر أمورنا وتسيير شؤون حياتنا من دون مساعدتهم لنا؟ من منا أكثر حاجة إلى الآخر؟ بل من منا حقيقة هو الآخر؟ كم لدينا في جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية من كلية، أو حتى قسم، لدراسة الثقافات والمجتمعات والأمم الأخرى؟ كم لدينا من الخبراء المحليين الذين يجيدون التعامل والتحدث مع الشعوب الأخرى؟ بل إننا لم نلتفت حتى الآن لدراسة مجتمعاتنا وثقافاتنا دراسة أكاديمية جادة. إننا ندرس اللغة الفصحى لكننا لا ندرس اللهجات المحلية، ندرس الدين لكننا لا ندرس المعتقدات الشعبية، ندرس الثقافة الرسمية لكننا لا ندرس الثقافات التقليدية، ندرس تاريخ الدول والملوك لكننا لا ندرس تاريخ الشعوب والمجتمعات، وهلم جرا. ليست لدينا معرفة موثوقة بواقعنا الاجتماعي ولا نعرف حقيقة كيف يفكر معظم الناس عندنا ولا بماذا يفكرون ولا ماذا يريدون. بل من منا أصلا يستطيع أن يقول ما يعتقده أو يعبر صراحة عما يفكر فيه! لا يزال خطابنا في كل المجالات مشبعا بالمقولات الرنانة ومثقلا بالشعارات الطنانة ومسكونا بهاجس الخوف والرقابة الذاتية، وما زلنا بعيدين عن مرحلة التفكير الحيادي الموضوعي الحر الذي يبحث عن الحقيقة وبس.
غالبيتنا لديها قناعة بأن الولاء الحقيقي للوطن والتمسك الصادق بالدين هو أن يكون كل واحد منا نسخة كربونية من الآخر في كل شيء، ليس فقط في التفكير والمعتقد، بل حتى في المأكل والمشرب والملبس وكل مناحي السلوك، وأي خروج عن هذا المسار الضيق يعد شذوذا وتحريفا للصورة الأصل. إذا افتقدنا التسامح فيما بيننا فكيف لنا أن نكون متسامحين مع الآخر! هاهي مآذننا تصدح في عواصمهم وهاهي الجاليات المسلمة تنشط في بلدانهم وترفع صوتها عاليا في الهواء الطلق، بينما نحرم نحن على من يقيم منهم بين ظهرانينا أن يحتفل بمناسباته الدينية في بيته خلف الجدران والأبواب المغلقة. وها نحن نلعنهم في صلواتنا ونفرٌ منا يمتشقون السيوف والعبوات الناسفة ليجبروا الناس على الدخول في حظيرة الدين بينما هم يبنون المستشفيات ويقدمون المساعدات الإنسانية ويصلون للمنكوبين. لا يمكننا فصل الدين عن الحضارة، فالمجتمعات المتحضرة تمارس دينها، أيا كان ذلك الدين، وتدعو إليه وفق أساليب متحضرة وتقدمه كخيار حر لمن يجد فيه ما يروي ظمأ الروح ويقود إلى طمأنينة النفس ويلبي حاجة الوجدان ونوازع الضمير.