فهرس الكتاب

الصفحة 3312 من 3657

ولهذا العمق في علم الحديث نهى نقاد الحديث عن شرح كثر من علل الروايات إلا عند أهل الحديث، لما يخشى من شرح ذلك على غير أهل الحديث أن يكون سبباً في أن يفتتنوا أو يفتنوا!! من باب: (حدثوا الناس بما يعقلون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله) ( [16] ) ، وباب: (إنك لست محدثاً قوماً بحديث لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة) ( [17] ) !!

يقول الإمام أبو داود السجستاني (ت 275هـ) في (رسالته إلى أهل مكة) : (وربما أتوقف عن مثل هذه(يعني: إبراز العلل) ، لأنه ضرر على العامة لهم كل ما كان من هذا الباب فيما مضى من عيوب الحديث، لأن علم العامة يقصر عن ذلك ( [18] ) .

ويقول الخطيب البغدادي (ت 463هـ) : (أشبه الأشياء بعلم الحديث معرفة الصرف ونقد الدنانير والدراهم، فإنه لا تعرف جودة الدينار والدرهم بلون ولا مس، ولا طراوة ولا يبس، ولا نقش، ولا صفة تعود إلى صغر أو كبر، ولا إلى ضيق أو سعة ؛ وإنما يعرفه الناقد عند المعاينة، فيعرف البهرج الزائف والخالص والمغشوش. وكذلك تمييز الحديث، فإنه علم يخلقه الله تعالى في القلوب، بعد طول الممارسة له، والاعتناء به) ( [19] ) .

وقلبهما يقول عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) : (معرفة الحديث إلهام) ( [20] ) ، ويقول أيضاً: (إنكارنا الحديث عند الجهال كهانة) ( [21] ) . ولما أنكر ابن مهدي حديثاً رواه رجل، غضب للرجل جماعة، وقالوا لابن مهدي: (من أين قلت هذا في صاحبنا؟!) فلم يبين لهم العلة الحديثية التي جعلته ينكر على ذلك الرجل، وإنما قال لهم: (أرأيت لو أن رجلاً أتى بدينار إلى صيرفي، فقال: انتقد لي هذا، فقال الصيرفي: هو بهرج، يقول له: من أين قلت لي إنه بهرج ؟(فأجاب ابن مهدي على لسان الصيرفي) : الزم عملي هذا عشرين سنة حتى تعلم منه ما أعلم) ( [22] ) .

ويؤكد أيضاً أحمد بن صالح المصري (ت 248هـ) أن علم الحديث لا يفهمه إلا أهله، عندما قال: (معرفة الحديث بمنزلة معرفة الذهب، إنما يبصره أهله) ( [23] ) .

وبذلك يقرر هؤلاء العلماء وغيرهم من أئمة السنة أن علم الحديث علم تخصصي، لا يفهمه إلا من وفقه الله تعالى إلى صرف الهمة كلها له، ووقف الجهد جميعه عليه، وقصر الحياة على تعلمه وتحصيله ؛ وما ذلك إلا لأنه علم شديد العمق بعيد الغور، كما سبق.

ومع ذلك:

لا يؤيسنك من مجد تباعده

فإن للمجد تدريجاً وترتيباً

إن القناة التي شاهدت رفعتها

تسمو فتنبت أنبوباً فأنبوبا

وقال آخر

اصبر على مضض الإدلاج بالسحر

وبالرواح على الحاجات والبكر

لا تعجزن ولا يضجرك مطلبها

فالنجح يتلف بين العجز والضجر

إني رأيت - وفي الأيام تجربة -

للصبر عاقبة محمودة الأثر

وقل من جد في أمر يطالبه

واستصحب الصبر إلا فاز بالظفر

ومن رحمة الله تعالى ولطفه بعباده أن قرن بصعوبة علم الحديث وشدته لذة وشهوة ومتعة عارمة، تملك فؤاد طالبه، وتجعله ينسى الدنيا بما فيها، وتتركه بين رياض السنة جذلان هيمان. إنها (شهوة الحديث) ، تلك الشهوة التي صنعت المستحيلات، وتضاءلت أمامها كل العقبات. ولولا هذه الشهوة لمات علم الحديث قبل أن يولد، ولتفتت همم الرجال على سفوح جباله، ولساحت العزائم العظام في صحاريه، ولغرقت عقول العباقرة في لجج بحاره. لقد بلغت هذه الشهوة الحديثية إلى درجة أن خاف بعض الأئمة على أنفسهم من أن تتجاوز بهم إلى طرف مذموم من الغلو في التعمق، إلى درجة التقصير في حقوق الخالق أو المخلوقين أو حق النفس، حيث إنها شهوة تفوق وله العاشقين (وهي أطهر) ، وقد فعلت بأصحابها من عجائب الأفاعيل، ما قيدته حقائق التاريخ ؛ فلئن هام العاشقون على وجوههم في الصحاري، فلقد كانت الصحارى بعض ما قطعه المحدثون في طلب الحديث، ولئن تعرض الولهون لغيرة أهل المحبوبة من أجل نظرة عابرة منها، فلقد ركب المحدثون الأهوال وعاشوا مع الأخطار من أجل كتابة حديث بإسناد عال كانوا قد كتبوه نازلاً، ولئن تغرب المدنفون وراء مرابع الأحباب، فلقد هجر المحدثون الأهل والأولاد والأوطان إلى غير رجعة، ولئن كان (مجنون ليلى) وأضرابه بالعشرات، فإن أهل الحديث بعشرات الألوف!!

إنها شهوة الحديث: التي حفظ الله تعالى بها الدين، وحمى بها السنة!!

يقول سفيان الثوري (ت 161هـ) : (فتنة الحديث أشد من فتنة الذهب والفضة) ( [24] ) .

فأنعم بهذه الفتنة التي يحتقر معها الدينار والدرهم!!!

ولصعوبة علم الحديث قل أهله العارفون به كما سبق!

يقول الإمام البخاري (ت 256هـ) : (أفضل المسلمين رجل أحيى سنة من سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أميتت ؛ فاصبروا يا أصحاب السنن(رحمكم الله) ، فإنكم أقل الناس).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت