فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 3657

وحدّثت صفية - رضي الله عنها - فقالت: كنت أحبّ ولد أبي إليه وإلى عمي أبي ياسر ، لم ألقهما قط مع ولدٍ لهما إلا أخذاني دونه . قالت: فلما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة ونزل قباء في بني عمرو بن عوف غدا عليه أبي حُيي بن أخطب وعمي أبو ياسر بن أخطب مغلسين ، فلم يرجعا حتى كانا مع غروب الشمس ، فأتيا كالَّيْن كسلانين ساقطين يمشيان الهوينا . قالت: فهششت إليهما كما كنت أصنع ، فوالله ما التفت إليّ واحد منهما مع ما بهما من الغمّ . قالت: وسمعت عمي أبا

ياسر وهو يقول لأبي حُيي بن أخطب: أهو هو ؟ قال: نعم والله ! قال: أتعرفه وتثبته ؟ قال: نعم . قال: فما في نفسك منه ؟ قال: عداوته والله ‍! رواه ابن إسحاق في السيرة فيما ذكره ابن هشام .

ها هم اليهود يشهدون بنبوة سيد ولد آدم عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك جحدوا بها .

( فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ ) .

ولذا قال عليه الصلاة والسلام: لو آمن بي عشرة من اليهود ، لآمن بي اليهود . رواه البخاري ومسلم .

وفي رواية لمسلم: لو تابعني عشرة من اليهود ، لم يبق على ظهرها يهودي إلا أسلم.

اللهم صل وسلم وزد وبارك على عبدك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين .

التواضع والبَسَاطَة في حياة سيّد السّادة

لقد تواضع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم يدَع لمتواضِع قولًا ، ولم يترك لِمُتَكَبِّر حجة.

فهو عليه الصلاة والسلام المؤيّد بالوحي ، وهو خليل الرحمن ، وهو من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلى ، وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم ، بل هو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام ، ومع ذلك كان يتواضع لله فَرَفَعه الله عز وجل .

كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق.

فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتي السوق ، ويُمازحُ أصحابه ، وكان رجل من أهل البادية اسمه زاهر ، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية ، فيجهزَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضرته ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه ، وكان رجلا دميما ، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفه ، فقال له: من هذا ؟ أرسلني ، والتفت ، فعرف النبيَّ صلى الله عليه وسلم فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري مني هذا العبد ؟ وجعل هو يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إذا تجدني كاسدًا ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد . رواه الإمام أحمد وغيره وهو حديث صحيح .

ويُمازِح أصحابه ، وينام معهم, روى الإمام مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: أقبلت أنا وصاحبان لي ، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الْجَهْد ، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا ، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنز ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتلبوا هذا اللبن بيننا .

قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه ، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه .

قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليما لا يُوقظ نائما ويُسمع اليقظان .

قال: ثم يأتي المسجد فيُصلي ، ثم يأتي شرابه فيشرب ، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي ، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه ، ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة ! فأتيتها فشربتها فلما أن وَغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل ، ندمني الشيطان ! فقال: ويحك ما صنعت ؟ أشربت شراب محمد ؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك ، فتذهب دنياك وأخرتك ، وعَلَيّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي ، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي ، وجعل لا يجيئني النوم ، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت .

قال: فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فسلّم كما كان يسلم ، ثم أتى المسجد فصلى ، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئا ، فرفع رأسه إلى السماء ، فقلت: الآن يدعو عَلَيّ فأهلك ، فقال: اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني .

قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ ، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإذا هي حافلة وإذا هن حُفل كلهن ، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه ، قال: فحلبت فيه حتى عَلَته رغوة ، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أشربتم شرابكم الليلة ؟

قال: قلت: يا رسول الله اشرب ، فشرِب ، ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب ، فشرِب ، ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روى وأصبت دعوته ضَحِكْتُ حتى ألقيت إلى الأرض.

قال: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إحدى سوآتك يا مقداد !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت