فهرس الكتاب

الصفحة 3327 من 3657

فإن من أعظم ما يفتخر به المسلم إيمانه ومحبته لرسول الله - صلى الله عليه وآله وسلم -، ومع أن المسلم يؤمن بالأنبياء جميعاً - عليهم الصلاة والسلام -، ولا يفرق بين أحد منهم؛ إلا أنه يعتبر النبي محمد - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - خاتمهم، وأفضلهم، وسيدهم، فهو الذي يُفتح به باب الجنة، وهو الطريق إلى هذه الأمة فلا يؤذن لأحد بدخول الجنة بعد بعثته؛ إلا أن يكون من المؤمنين به - عليه الصلاة والسلام - (( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ ) )]التوبة128[

ومما زادني شرفاً وتيهاً *** وكدت بأخمصي أطأ الثريا

دخولي تحت قولك يا عبادي *** وأن صيّرت أحمد لي نبيا

أيها المسلمون:

ترى ماذا نقول أمام ما نشرته صحيفة ( جلاندز بوستن ) الدانماركية يوم الثلاثاء 26/8/1426هـ (12) رسماً كاريكاتيرياً ساخر، بمن يا ترى؟! بأعظم رجل وطأت قدماه الثرى، بإمام النبيين، وقائد الغر المحجلين - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

صور آثمةٌ وقحةٌ وقاحة الكفر وأهله، أظهروا النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في إحدى هذه الرسومات عليه عمامة تشبه قنبلة ملفوفة حول رأسه!! وكأنهم يريدون أن يقولوا إنه - مجرم حرب - (( ألا ساء ما يزرون ) ).

ثم في هذه الأيام وفي يوم عيد الأضحى بالتحديد - إمعاناً في العداء - تأتي جريدة ( ما جزينت ) النرويجية لتنكأ الجراج وتشن الغارة من جديد ، فتعيد نشر الرسوم ألوقحة التي نُشرت في المجلة الدنمركية قبل! (أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ ) [ الذاريات53] [1]

بالله ماذا يبقى في الحياة من لذة يوم ينال من مقام محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثم لا ينتصر له ولا يذاد عن حياضه . ماذا نقول تجاه هذا العداء السافر ، والتهكم المكشوف .. هل نغمض أعيننا ، ونصم آذاننا ، ونطبق أفواهنا .. وفي القلب عرق ينبض . والذي كرم محمداً وأعلى مكانته لبطن الأرض أحب إلينا من ظاهرها إن عجزنا أن ننطق بالحق وندافع عن رسول الحق . ألا جفت أقلام وشُلت سواعد امتنعت عن تسطير أحرفٍ تذود بها عن حوضه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتدافع عن حرمته .

فإن أبي ووالده وعرضي *** لعرض محمد منكم فداء

مكانة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

أي عبارة تحيط ببعض نواحي تلك العظمة النبوية، وأي كلمة تتسع لأقطار هذه العظمة التي شملت كل قطر، وأحاطت بكل عصر، وكُتب لها الخلود أبد الدهر، وأي خطبة تكشف لك عن أسرارها وإن كُتب بحروف من النور، وكان مداده أشعة الشمس.

إنها العظمة الماثلة في كل قلب، المستقرة في كل نفس، يستشعرها القريب والبعيد، ويعترف بها العدو والصديق، وتهتف بها أعواد المنابر، وتهتز لها ذوائب المنائر.

ألم تر أن الله خلَّد ذكره *** إذ قال في الخمس المؤذن: أشهد

وشقّ له من اسمه ليجله *** فذو العرش محمود وهذا محمد

إنه النبي محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حيث الكمال الخُلقي بالذروة التي لا تُنال، والسمو الذي لا يُسامى، أوفر الناس عقلاً، وأسداهم رأيًا، وأصحهم فكرةً، أسخى القوم يدًا، وأنداهم راحة، وأجودهم نفسًا أجود بالخير من الريح المرسلة، يُعطي عطاء من لا يخشى الفقر، يبيت على الطوى وقد وُهب المئين، وجاد بالآلاف، لا يحبس شيئًا وينادي صاحبه:"أنفق يا بلال ولا تخش من ذي العرش إقلالاً".

أرحب الناس صدرًا، وأوسعهم حلمًا، يحلم على من جهل عليه، ولا يزيده جهل الجاهلين إلا أخذًا بالعفو وأمرًا بالمعروف، يمسك بغرة النصر وينادي أسراه في كرم وإباء:"اذهبوا فأنتم الطلقاء".

أعظم الناس تواضعًا، يُخالط الفقير والمسكين، ويُجالس الشيخ والأرملة، وتذهب به الجارية إلى أقصى سكك المدينة فيذهب معها ويقضي حاجتها، ولا يتميز عن أصحابه بمظهر من مظاهر العظمة ولا برسم من رسوم الظهور.

ألين الناس عريكةً وأسهلهم طبعًا، ما خُيِّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن مُحرمًا، وهو مع هذا أحزمهم عند الواجب وأشدهم مع الحق، لا يغضب لنفسه، فإذا انتُهِكت حرمات الله لم يقم لغضبه شيء، وكأنما يُفقأ في وجهه حب الرمان من شدة الغضب.

أشجع الناس قلبًا وأقواهم إرادةً، يتلقى الناس بثبات وصبر، يخوض الغمار ويُنادي بأعلى صوته:

"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب".

وهو من شجاعة القلب بالمنزلة التي تجعل أصحابه إذا اشتد البأس يتقون برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، ومن قوة الإرادة بالمنزلة التي لا ينثني معها عن واجب، ولا يلين في حق، ولا يتردد ولا يضعف أمام شدة.

أعف الناس لسانًا، وأوضحهم بيانًا ، يسوق الألفاظ مُفصلة كالدر مشرقة كالنور، طاهر كالفضيلة في أسمى مراتب العفة وصدق اللهجة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت