فهرس الكتاب

الصفحة 3341 من 3657

6-التوجه إلى الله وحده بالدعاء والتضرع في كل حال، فإبراهيم عليه السلام لما نفذ أمر ربه بوضع أسرته في ذلك الموقع الموحش، توجه إلى الله بالدعاء لهم بالأنس والرزق والبركة، ومن توكل على الله كفاه، ومن ركن إليه آواه، ومن سأله وتضرع إليه أعطاه.

7-إن الله سبحانه وتعالى لا يضيع من توكل عليه وحده وسلم الأمر إليه، مهما ادلهمت الخطوب واشتدت الكروب، فإنه لا يأس من روح الله ورحمته. فهذه أم إسماعيل لما انتهى طعامها وماؤها أرسل الله إليها غوثاً من عنده، وأجرى لها الماء بأمره جل وعلا.

8-من أقبل على الله تعالى والتزم أمره وتوجه إليه بالعبادة دون سواه، رفع الله ذكره في العالمين، انظر رحمك الله كيف بقيت ذكرى أم إسماعيل في السعي إلى يومنا هذا.

9-من كان همه الدنيا والتمتع فيها فلا يصلح أن يجاور نبياً من أنبياء الله تعالى أهل العبادة والصلاح والعمل والهمة العلية، ولهذا أمر إبراهيم عليه السلام ابنه إسماعيل أن يطلق تلك المرأة التي شكت إليه شدة العيش.

الحكمة من بناء البيت:

وأنت تدرك معي أخي الكريم السر الذي من أجله بني هذا البيت، إنه من أجل توحيد الله ونبذ الشرك، كما قال تعالى:

{وَإِذْ بَوّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لاّ تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهّرْ بَيْتِيَ لِلطّآئِفِينَ والقائمينَ وَالرّكّعِ السّجُودِ، وَأَذّن فِي النّاسِ بِالْحَجّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَىَ كُلّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلّ فَجّ عَميِقٍ}

قال ابن كثير في تفسيره:

هذا فيه تقريع وتوبيخ لمن عبد غير الله وأشرك به من قريش، في البقعة التي أسست من أول يوم على توحيد الله وعبادته وحده لا شريك له، فذكر تعالى أنه بوأ إبراهيم مكان البيت، أي أرشده إليه وسلمه له وأذن له في بنائه، {أن لا تشرك بي شيئاً} أي ابنه على اسمي وحدي {وطهر بيتي} قال قتادة ومجاهد: من الشرك {للطائفين والقائمين والركع السجود} أي اجعله خالصاً لهؤلاء الذين يعبدون الله وحده لا شريك له، فالطائف به معروف، وهو أخص العبادات عند البيت، فإنه لا يفعل ببقعة من الأرض سواها {والقائمين} أي في الصلاة، ولهذا قال: {والركع السجود} فقرن الطواف بالصلاة لأنهما لا يشرعان إلا مختصين بالبيت، فالطواف عنده والصلاة إليه.

وقال القرطبي في تفسيره:

{أَن لاّ تُشْرِكْ} هي مخاطبة لإبراهيم عليه السلام في قول الجمهور. وقرأ عكرمة {أن لا يُشْرِك} بالياء، بمعنى لئلا يشرك. وفي الآية طعن على من أشرك من قُطّان البيت أي هذا كان الشرط على أبيكم فمَن بعده وأنتم، فلم تَفُوا بل أشركتم.

وأمر بتطهير البيت والأذان بالحج. والجمهور على أن ذلك لإبراهيم وهو الأصح. وتطهير البيت عام في الكفر والبدع وجميع الأنجاس والدماء.

وقيل: المعنى نزّه بيتي عن أن يعبد فيه صنم. وهذا أمر بإظهار التوحيد فيه. والقائمون هم المصلون. وذكر تعالى من أركان الصلاة أعظمها، وهو القيام والركوع والسجود.

فللتوحيد بني هذا البيت ومن أجل التوحيد عمر، ولأهل التوحيد وحدهم شيد، ومن أجلهم طهر البيت من الشرك والبدع والخرافات، وهؤلاء الطائفون والركع السجود هم الذين من أجلهم أقيم هذا البيت لا لأولئك الذين يشركون بالله تعالى، ويتوجهون بالعبادة إلى سواه.

وينبغي على المسلم أن لا يتكل على عمله مهما كان صحيحاً صواباً، فإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام يأمرهما الله جل وعلا ببناء بيته المحرم من أجل توحيده، فيقومان بذلك خير قيام ومع ذلك لم يتكلا على عملهما بل يسألان الله تعالى دائماً قبول العمل {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} فليس صواب العمل كافٍ في القبول، بل لا بد أن يصاحبه الإخلاص لله تعالى الخالص من شوائب الشرك، وحظوظ النفس.

وكان عليه الصلاة والسلام وهو الموحد أبو الموحدين يخشى من الشرك فيقول: {واجنبني وبنيّ أن نعبد الأصنام} فهل أحد بعد إبراهيم عليه السلام لا يخاف على نفسه من الوقوع في الشرك!! لهذا ينبغي على كل مسلم أن يكون دائماً يقظاً منتبهاً لنفسه من هذا الذنب العظيم، فإن الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

ذرية إسماعيل:

وبارك الله في ذرية إسماعيل فتناموا وصاروا قبائل، وانتشروا في الجزيرة العربية، وصاروا يسمون العرب المستعربة، وقد بقوا على دين أبيهم إبراهيم عليه السلام مدة من الزمن، ثم بدأ النقص عندهم، ودخلت عليهم البدع من المجاورين لهم شيئاً فشيئاً، حتى دخلت عليهم عبادة الأصنام وكان أول من أدخل الشرك إلى العرب عمرو بن لحي الخزاعي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت