فهرس الكتاب

الصفحة 3350 من 3657

ومن هنا تعلم أهمية الصلاة فقد فرضت من بين أركان الإسلام في السّماء السّابعة فأصبحت الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وأصبحت قُرَّة عين النبي صلى الله عليه وسلم. روي عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"حُبِّبَ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا النِّسَاءُ وَالطِّيبُ وَجُعِلَ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ".

فكان يصلي ويطيل القيام حتى انتفخت قدماه الشريفتان كما روى مسلم في صحيحه عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ: (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم صلى حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ فَقِيلَ لَهُ: أَتَكَلَّفُ هَذَا وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ: أَفَلا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا) .

وكان يسمع لصدره وهو في الصلاة أزيز من البكاء، كما روى أبوداود والترمذي وابن ماجة عنْ ثَابِتٍ عَنْ مُطَرِّفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُصَلِّي وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الرَّحَى مِنَ الْبُكَاءِ صلى الله عليه وسلم) .

ولما حدّث رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً بالإسراء والمعراج كذّبوه واستهزؤوا به وانطلقوا إلى أبي بكر الصديق ظانّين أنه سيشكّ في صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقالوا: إن صاحبك يخبر أنه أتى بيت المقدس وصعد إلى السماء في ليلة واحدة! فقال الصديق: لإن كان قاله فقد صدق.

العرض على القبائل:

قال ابن كثير: (والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استمرّ يدعو إلى الله تعالى ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، لا يصرفه عن ذلك صارف ولا يرده عن ذلك رادّ، ولا يصدّه عن ذلك صادّ، يتبع الناس في أنديتهم، ومجامعهم ومحافلهم وفي المواسم، ومواقف الحجّ، يدعو من لقيه من حرّ وعبد وضعيف وقويّ، وغنيّ وفقير، جميع الخلق عنده في ذلك شرع سواء..) .

وكان أتباع رسول الله نُزّاعاً من القبائل وكانوا غرباء، لا قبيلة تحميهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرتاد للدعوة موطّناً تحتمي به، وكان يأمر من اتّبعه من القبائل خارج مكة أن يبقوا في قبائلهم ويستخفوا حتى يظهر.

عن سالم بن أبي الجعد عن جابر قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على الناس في الموقف، فقال: ألا رجل يحملني إلى قومه؟ فإن قريشاً قد منعوني أن أبلّغ كلام ربي) .

روى عبد الله بن ذكوان عن ربيعة بن عباد الديلي قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بَصَرَ عيني بسوق ذي المجاز يقول:"يا أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله، تفلحوا"، ويدخل في فجاجها، والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحداً يقول شيئاً، وهو لا يسكت يقول:"أيها الناس! قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، إلا أنّ وراءه رجلاً أحول، وضيء الوجه، ذا غديرتين، يقول: إنه صابئ كاذب، فقلت: من هذا؟ قالوا: محمد بن عبد الله، وهو يذكر النّبوّة، قلت: من هذا الذي يكذّبه؟ قالوا: عمه أبو لهب. قلت: إنك كنت يومئذ صغيراً؟ قال: لا، والله إني يومئذ لأعقل) .

وعن طارق بن شدّاد رضي الله عنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مرّتين، رأيته بسوق ذي المجاز، وأنا في بياعة لي، فمرّ وعليه حلة حمراء، وهو ينادي بأعلى صوته:"أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل يتبعه بالحجارة، وقد أدمى كعبيه وعرقوبيه، وهو يقول: يا أيها الناس، لا تطيعوا هذا، فإنه كذّاب، فقلت: من هذا؟ فقيل: هذا غلام من بني عبد المطلب، فقلت: من هذا الذي يرميه بالحجارة، فقيل: عمه عبد العزى، أبو لهب) .

وعن شيخ من بني مالك بن كنانة قال: (رأيت النبي صلى الله عليه وسلم بسوق ذي المجاز يتخللها يقول:"أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا"قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب، ويقول: أيها الناس، لا يَغُرَّنَّكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى، قال: وما يلتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم) .

الدروس والعبر:

1-هذه القصص تكشف عن مدى الجهد والكيد الذي بذلته قريش في محاربة الدعوة وصاحبها على المستوى الفردي والجماعي.

2-حمل الرسالة في مجتمع ضالٍّ معناه أن المصلح سينكر أشياء تعارف عليها الناس فعليه بتوطين نفسه على تحمل المعارضة والمحاربة والإيذاء.

3-لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم مع بعض القبائل لم يدخلها الإسلام لكن على أقل تقدير أثار التساؤل عندهم، والتشكيك فيما هم عليه من معتقدات. واستثمرهم كأداة إعلامية لأقوامهم وديارهم، حيث أنهم سيتحدثون بما وجدوه في سفرتهم هذه وسيذكرون من لقوا ومن لقيهم وما هي الأحاديث التي دارت معهم.

4-لم يكن الرسول صلى الله عليه وسلم يفرط في فرصة من الفرص أو مجال من المجالات في تبليغ دعوته كما كان يفعل في المواسم والأسواق.

5-كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبحث عن مأوى ومحضن للدعوة تحتمي به حتى تكون حرة طليقة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت