فهرس الكتاب

الصفحة 3375 من 3657

وحذرهم من الإفلاس، فظنوا أنه يقصد من قل ماله أو ضاع فاستفسروا فقال لهم: (إن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه، أخذ من خطاياهم، فطرحت عليه، ثم طرح في النار) (رواه مسلم) ، فما كادوا يسمعون منه هذا حتى وجلت قلوبهم ووجمت وجوههم وخافوا على أنفسهم، وأدركوا أن الإفلاس الخلقي والسلوكي يأكل كل عبادات المسلم كما تأكل النار الحطب، فحرصوا على حسن الخلق فيما بينهم تراحماً وتعاضداً وتسامحاً حتى أنزل الله فيهم آيات محكمات ربط فيهن بين تراحمهم وسلوكهم وبين ركوعهم وسجودهم وبشرهم بغفرانه: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا} (الفتح: 29) .

عاشوا معه يدرءون بالحسنة السيئة، ويرون أقواله في أفعاله، وظلوا يجاهدون أنفسهم للارتفاع إلى مستوى السلوك الحضاري الذي رسمه لهم، فالدين المعاملة، وقد تجلى لهم هذا المعنى في خلقه، وكلما سولت لهم أنفسهم، والنفس أمارة بالسوء، تذكروا كلماته: (المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) (رواه البخاري) ، (من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه) (رواه الترمذي وابن ماجة) ، (لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا عوراتهم) ، (رواه البخاري في الأدب المفرد) ، (رحم الله رجلاً سمحا إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى) (رواه مسلم) ، (المؤمن مرآة أخيه، والمؤمن أخو المؤمن يكف عليه ضيعته ويحوطه من ورائه) (رواه البخاري في الأدب المفرد) ، (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه) (متفق عليه) ، (تبسمك في وجه أخيك صدقة) (رواه الترمذي) ، (إياك والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تحسسوا ولا تجسسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا) (متفق عليه) ، ) من لا يشكر الناس لا يشكر الله) (رواه الترمذي) ، (امسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) (رواه أحمد) ، (بحسب أمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم) (رواه مسلم) .

دعاهم إلى أن يستر بعضهم على بعض حتى لا تشيع الفاحشة، وقال جازماً في وعده: (من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة) (رواه الترمذي) ، وقال مهدداً متوعداً: (من كشف عن عورة أخيه المسلم كشف الله عورته حتى يفضحه في بيته) (رواه ابن ماجة) وأوضح لهم صراحةً أن تتبع عورات الناس وكشفها مفسدةً لأنهم إذا انكشفوا جاهروا بالمعاصي وسمعوه يقول لأحدهم موضحاً ومحذراً: (إنك إن تتبعت عورات الناس أفسدتهم أو كدت أن تفسدهم) (رواه البخاري) .

وفي الوقت نفسه أعلن لهم عن جائزة من يستر على أخيه: (من رأى عورةً فسترها فكأنما استحيا موءودة في قبرها) (رواه أبو داود والنسائي) .

وتلى عليهم قرآناً نزل من عند ربه يأمر بالستر ويفسر كشف عورات الناس إشاعة للفاحشة: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (النور: 19) .

ولم يشدد على شيء كما شدد على ابتعادهم عن الغيبة والنميمة وسوء الظن، والتجسس على الناس، فقال: (لا تحسسوا ولا تجسسوا) (رواه البخاري) وقال: ( من استمع إلى حديث قوم وهم له كارهون صُب في أذنه الآنك يوم القيامة) (رواه البخاري) ، وخاف عليهم من أسوأ ما يمكن أن يقع فيه إنسان، وما أكثر ما يقع فيه الناس دون شعور بأنه من أسوأ الذنوب، فانزل ربه عليه قرآناً يصور مغبة النيل من الإعراض بأبشع الصور التي يتقزز منها الإنسان، وتلا عليهم قول ربهم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ} (الحجرات: 12) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت