كان صلى الله عليه وسلم يتمنى هداية قومه جميعاً، حتى إن رب العزة أشفق عليه فقال: فلعلك باخع نفسك على"آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا 6 (الكهف) ."
وعندما ذهب صلى الله عليه وسلم إلى الطائف وقذفه الصبيان بالحجارة وأدموا قدمي سيد المرسلين نزل ملك الجبال بإذن ملك السموات والأرض وقال له:"إن أمرتني أطبقت عليهم الأخشبين"فتدفقت الرحمة التي أسبغها الله عليه، على لسانه الطاهر قائلاً:"لعل الله يأتي منهم بمن يوحد الله".
وفي غزوة أحد عندما أدمى قومه رأسه فبادر يدعو لهم، خوفاً عليهم من غضب الله، فقال:"اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون"..
وأخرجه أهله من مكة وهي أحب أرض الله إلى قلبه، وحاربوه صلى الله عليه وسلم في ثلاث غزوات متتالية"بدر وأحد والخندق"، وقتلوا من أصحابه من قتلوا، غير من قتل وعُذِّب بمكة قبل الهجرة، فطبق صلى الله عليه وسلم القرآن خير تطبيق وظل قول الله معه أينما ذهب، وأينما سار، تحرك به وعمل بمقتضاه، فعفا عنهم جميعاً بعد فتح مكة، وقد أصبح هو السيد والآمر، قائلاً:"اذهبوا فأنتم الطلقاء": وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين 107 (الأنبياء:107) .
خفض الجناح
فلم يكن هدفه القصاص والانتقام، ولكن العفو ووالرحمة، فأثنى عليه سبحانه يقوله: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم 128 (النحل) ، هذا للعالمين، أما المؤمنون فقد شبهه سبحانه بالطائر الذي يخفض جناحه لهم حناناً ورحمة ورعاية لأغلى ما عنده.
واخفض جناحك للمؤمنين 88 (الحجر) .
القانت العابد المستغفر: لقد كان صلى الله عليه وسلم حقاً الشق الحركي العملي التطبيقي النموذجي الناجح لكتاب الله العظيم، وقد أمره الله سبحانه ملك السموات والأرض في كتابه العظيم الخالد بقوله: وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا 81 (الإسراء) .
وشرفه سبحانه بهدم أصنام الكعبة.
وأمره سبحانه: ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى"أن يبعثك ربك مقاما محمودا 79 (الإسراء) ، فكان تطبيقه العملي لأمر الرحمن قيام بالليل، فكان يقومه حتى تتورم قدماه فتشفق عليه السيدة عائشة، سائلة إياه:"ألم يغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر"؟ فيقول لها صلى الله عليه وسلم:"أفلا أكون عبداً شكوراً"؟، أي طائعاً منفذاً لقوله سبحانه: بل الله فاعبد وكن من الشاكرين 66 (الزمر) . ولقوله تعالى: قم الليل إلا قليلا (2) (المزمل) ."
وعندما أُوحِي إليه قول الله: واستغفر الله إن الله كان غفورا رحيما 106 (النساء) .
كان يُعد له صلى الله عليه وسلم في الجلسة الواحدة مائة استغفار، وكان صلى الله عليه وسلم يدعو بأدعية الاستغفار، ومن كثرتها أُطلق على أحدها"سيد الاستغفار"، ونصه:
"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت.. أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ.. وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت".
ويحثنا صلى الله عليه وسلم على الاستغفار ويرغبنا فيه ويبين أنه المخرج والرزق، وسبب الرضا من صاحب الأمر سبحانه.
قال سبحانه: والله يعصمك من الناس (المائدة:67) .
وأغدق عليه بنعمائه وأحاطه برعايته سبحانه وتعالى: أليس الله بكاف عبده (الزمر:36) . ووعده قائلاً: إنا كفيناك المستهزئين 95 (الحجر) .
فتحرر بذلك صلى الله عليه وسلم من الخوف على نفسه حتى وهو في الغار، والمشركون من حوله كان يهون على صاحبه الصديق أبي بكر ويبعث في نفسه الطمأنينة، حيث قال له بيقين المطمئن الواثق بالله: لا تحزن إن الله معنا (التوبة:40) .
وذات مرة كان صلى الله عليه وسلم نائماً فرفع أحدهم عليه السيف قائلاً:"من يعصمك مني يا محمد"؟ فكان رده سريعاً قائلاً بثقة ويقين:"الله"فوقع السيف من يد الأعرابي.
وتحرر صلى الله عليه وسلم من الخوف على أولاده فهاجر وتركهم في معية الله، وقد ترك علي بن أبي طالب في فراشه وهو مطمئن، وطلق ابنا عمه أبي لهب ابنتيه الاثنتين فلم يهتز ولم يضعف.
وتحرر صلى الله عليه وسلم من الخوف من عدم وجود مسكن يأويه إليه حيث هاجر وترك مسكنه فأبدله الله بمسكن بجوار ثاني الحرمين.
وكان صلى الله عليه وسلم ينفذ الآيات ويستوعبها ويعلمها الكبار والصغار، فقد روى عنه ابن عباس قوله معلماً إياه وهو صبي، كيف يحفظه الله بحفظه هو لربه:
"احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله"...
حب الله والدعوة إليه
وقال رب العزة: والذين آمنوا أشد حبا لله (البقرة:165) .
فكان صلى الله عليه وسلم يحبه حباً ملك عليه وجدانه، وكان حريصاً على أن يدعو كافة الناس إليه ويعرفهم به ليحبه الجميع، وقد تجلى مدى حب رسول الله لربه في قوله تعالى: ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا (آل عمران:176) .