فهرس الكتاب

الصفحة 3410 من 3657

9 ـ المرض إذا احتسب المسلم ثوابه, فإنه يكفر الخطايا, ويرفع الدرجات, ويزاد به الحسنات, وذلك عام في الأسقام, والأمراض ومصائب الدنيا, وهمومها وإن قلت مشقتها, والأنبياء عليهم الصلاة والسلام هم أشد الناس بلاء, ثم الأمثل فالأمثال؛ لأنهم مخصوصون بكمال الصبر والاحتساب، ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الأجر, ويظهر صبرهم ورضاهم, ويُلحق بالأنبياء الأمثال فالأمثل من أتباعهم؛ لقربهم منهم وإن كانت درجتهم أقل, السر في ذلك والله أعلم أن البلاء في مقابلة النعمة, فمن كانت نعمة الله عليه أكثر كان بلاؤه أشد؛ ولهذا ضوعف حد الحر على حد العبد, وقال الله تعالى: {يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ} (1) . والقوي يُحمَّل ما حمل, والضيبف يرفق به, إلا أنه كلما قويت المعرفة هان البلاء, ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء, وأعلى من ذلك من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ويرضى ولا يعترض (2) .

10 ـ التحذير من بناء المساجد على القبور ومن إدخال القبور والصور في المساجد, ولعن من فعل ذلك, وأنه من شرار الخلق عند الله تعالى يوم القيامة, وهذا من أعظم الوصايا التي أوصى بها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قبل موته بخمسة أيام (3) .

المبحث التاسع: وصايا النبي صلّى الله عليه وسلّم عند موته

عن ابن عباس رضي عنهما قال: يوم الخميس وما يوم الخميس (4) اشتد برسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجعه فقال: "ائتوني أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً" فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع [فقال بعضهم: إن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله,] [فاختلف أهل البيت واختصموا فمنهم من يقول: قرِّبوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده, ومنهم من يقوم غير ذلك, فلما أكثروا اللغو والاختلاف قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم:"[قوموا] وفي رواية: "دعوني فالذي أنا فيه خير (5) مما تدعونني إليه] أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب, وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به" (6) وسكت عن الثالثة أو قال فأنسيتها" (7) قال ابن حجر رحمه الله تعالى:"وأوصاهم بثلاث"أي في تلك الحالة, وهذا يدل على أن الذي أراد أن يكتبه صلّى الله عليه وسلّم لم يكن أمراً متحتماً؛ لأنه لو كان مما أُمر بتبليغه لم يتركه لوقوع اختلافهم ولعاقب الله من حال بينه وبين تبليغه, ولبلَّغه لهم لفظاً كما أوصاهم بإخراج المشركين وغير ذلك، وقد عاش بعد هذه المقالة أياماً وحفظوا عنه أشياء لفظاً فيحتمل أن يكون مجموعها ما أراد أن يكتبه والله أعلم (8) .

والوصية الثالثة في هذا الحديث يحتمل أن تكون الوصية بالقرآن, أو الوصية بتنفيذ جيش أسامة رضي الله عنه. أو الوصية بالصلاة وما ملكت الأيمان, أو الوصية وما ملكت الأيمان، أو الوصية بأن لا يتخذ قبره صلّى الله عليه وسلّم وثناً يُعبد من دون الله, وقد ثبتت هذه الوصايا عنه صلّى الله عليه وسلّم (9) .

وعن عبد الله بن أبي أوْفَى رضي الله عنه أنه سئل هل أوصى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟... قال: "أوصى بكتاب الله عز وجل" (10) . والمراد بالوصية بكتاب الله: حفظه حسّاً ومعنى, فيكرم ويصان, ويتبع ما فيه: فيعمل بأوامره, ويجتنب نواهيه, ويداوم على تلاوته وتعلمه وتعليمه ونحو ذلك (11) .

(1) سورة الأحزاب، الآية: 30, وانظر: شرح النووي 16/238, 365, 366, 5/14, والأبي 8/326.

(2) انظر: فتح الباري 8/136, و10/112, و3/208.

(3) انظر: فتح الباري 8/136, و10/112, و3/208.

(4) يوم الخميس وما يوم الخميس؛ معناه: تفخيم أمره في الشدة والمكروه, والتعجب منه , وفي رواية في أواخر كتاب الجهاد عند البخاري: "ثم بكى حتى خضب دمعه الحصى". وفي رواية لمسلم: "ثم جعلت تسيل دموعه حتى رأيتها على خديه..." انظر: فتح الباري 8/132، وشرح النووي على صحيح مسلم.

(5) المعنى: دعوني من النزاع والاختلاف الذي شرعتم فيه فالذي أنا فيه من مراقبة الله تعالى والتأهب للقائه, والفكر في ذلك خير مما أنتم فيه, أو فالذي أعانيه من كرامة الله تعالى الذي أعدها لي بعد فراق الدنيا خير مما أنا فيه من الحياة.. وقبل غير ذلك. انظر: فتح الباري 8/134, وشرح النووي.

(6) وأجيزوا الوفد: أي أعطوهم, والجائزة العطية, وهذا أمر منه صلّى الله عليه وسلّم بإجازة الوفود وضيافتهم وإكرامهم تطييباً لنفوسهم وترغيباً لغيرهم من المؤلفة قلوبهم ونحوهم, وإعانة لهم على سفرهم. انظر: فتح الباري 7/135 وشرح النووي.

(7) البخاري برقم 4431, 4432, ومسلم برقم 1637.

(8) فتح الباري 8/134.

(9) المرجع السابق 8/135.

(10) مسلم برقم 1634, البخاري برقم 2740, 4460, 5022.

(11) الفتح 9/67.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت