قالت عائشة رضي الله عنها: في شأن خطبة أبي بكر وعمر في يوم موت النبي صلّى الله عليه وسلّم: فما كان من خطبتهما من خطبة إلا نفع الله بها, فلقد خوَّف عمر الناس وإن فيهم لنفاقاً فردهم الله بذلك, ثم لقد بصَّر أبو بكر الناس الهُدى وعرَّفهم الحق الذي عليهم وخرجوا به يتلون {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (1) . وخطب عمر ثم أبو بكر يوم الثلاثاء خطبة عظيمة مفيدة نفع الله بها والحمد لله.
قال أنس بن مالك رضي الله عنه: لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر, وقام عمر فتكلم قبل أبي بكر, فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله, ثم قال: أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة (2) ما كانت وما وجدتها في كتاب الله, ولا كانت عهداً عهدها إليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, ولكني كنت أرى أن رسول الله سيدبر أمرنا - يقول: يكون آخرنا - وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي هدى به رسول الله, فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه الله له, وإن الله قد جمع أمركم على خيركم صاحب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم, وثاني اثنين إذ هما في الغار فقوموا فبايعوه, فبايع الناس أبا بكر رضي الله عنه البيعة العامة بعد بيعة السقيفة. ثم تكلم أبو بكر, فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد, أيها الناس فإني وليت عليكم ولست بخيركم (3) فإن أحسنت فأعينوني, وإن أسأت فقوِّموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة, والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته (4) إن شاء الله, والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ منه الحق إن شاء الله, لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل, ولا يشيع قوم قط الفاحشة إلا عمهم الله بالبلاء, أطيعوني ما أطعت الله ورسوله, فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم, قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (5) ثم استمر الأمر لأبي بكر والحمد لله.
وقد بُعِثَ صلّى الله عليه وسلّم فبقي بمكة يدعو إلى التوحيد ثلاث عشرة سنة يُوحى إليه, ثم هاجر إلى المدينة وبقي بها عشر سنين, وتوفي وهو ابن ثلاث وستين سنة صلى الله عليه وآله وسلم (6) .
ورجح الإمام ابن كثير رحمه الله تعالى أن آخر صلاة صلاها صلّى الله عليه وسلّم مع أصحابه رضي الله عنهم هي صلاة الظهر يوم الخميس, وقد انقطع عنهم عليه الصلاة والسلام يوم الجمعة, والسبت, والأحد، وهذه ثلاثة أيام كوامل (7) .
(1) البخاري برقم 3669, 3671, والآية من سورة آل عمران, 144.
(2) هي خطبته التي خطب يوم الاثنين حينما قال: إن النبي صلّى الله عليه وسلّم لم يمت.
(3) وهذا من باب التواضع منه رضي الله عنه وإلا فهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم رضي الله عنه. البداية والنهاية 5/248.
(4) والمعنى: الضعيف فيكم قوي حتى آخذ الحق له وأنصره وأعينه.
(5) البداية والنهاية 5/248 وساق سند بن إسحاق قال: حدثني الزهري, حدثني أنس بن مالك قال: لما بويع أبو بكر... الحديث. قال ابن كثير: وهذا إسناد صحيح 5/248.
(6) انظر: البخاري مع الفتح 8/15 برقم 4466, وفتح الباري 8/151 مختصر الشمائل للترمذي للألباني ص192.
(7) انظر: البداية والنهاية لابن كثير, 5/235.
وبعد موته صلّى الله عليه وسلّم وخطبة أبي بكر رضي الله عنه دارت مشاورات - كما تقدم - وبايع الصحابة رضي الله عنهم أبا بكر في سقيفة بني ساعدة, وانشغل الصحابة ببيعة الصديق بقية يوم الاثنين, ويوم الثلاثاء, ثم شرعوا في تجهيز رسول الله صلّى الله عليه وسلّم (1) وغُسل من أعلى ثيابه, وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة, ثم صلى عليه الناس فرادى لم يؤمهم أحد, وهذا أمر مجمع عليه: صلى عليه الرجال, ثم الصبيان, ثم النساء, والعبيد والإماء, وتوفي يوم الاثنين على المشهور (2) , ودفن ليلة الأربعاء, أُلحد لحداً صلّى الله عليه وسلّم ونصب عليه اللبن نصباً (3) , ورُفع قبره من الأرض نحواً من شبر (4) , وكان قبره صلّى الله عليه وسلّم مسنماً (5) , وقد تواترت الأخبار أنه دفن في حجرة عائشة رضي الله عنها شرقي مسجده صلّى الله عليه وسلّم في الزاوية الغربية القبلية من الحجرة, ووسع المسجد النبوي الوليد بن عبد الملك عام 86هـ وقد كان نائبه بالمدينة عمر بن عبد العزيز فأمره بالتوسعة فوسعه حتى من ناحية الشرق فدخلت الحجرة النبوية فيه (6) .
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر في هذا المبحث كثيرة، ومنها:
1 ـ إن الأنبياء والرسل أحب الخلق إلى الله تعالى وقد ماتوا؛ لأنه لا يبقى على وجه الكون أحد من المخلوقات, وهذا يدل على أن الدنيا متاع زائل, ومتاع الغرور الذي لا يدوم, لا يبقى للإنسان من تعبه وماله إلا ما كان يبتغي به وجه الله تعالى, وما عدا ذلك يكون هباءً منثوراً.