فهرس الكتاب

الصفحة 3448 من 3657

مَنْ يقول من أهل الكتاب: إن الإسلام يعاديهم، فهو ناقص الفهم، إنه لا يعادي إلاّ ما عارض شرع الله الذي أنزله سبحانه: على موسى - عليه السلام - في التوراة أو ما يسمونه العهد القديم، وما بدّلوه بحسب ما تصف الألسن، افتراء على الله.

ولا يعادي ما أنزله الله على عيسى - عليه السلام - في الإنجيل، لكن الإنكار على ما أُدْخِل في الإنجيل، ممّا لم يأمر به الله سبحانه، ولذلك أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقاعدة عامة، مضمونها أن ما حدّث به أهل الكتاب فلا نصدّقه ولا نكذّبه: لا نصدقه مخافة أن يكون مما عدّل وبدّل، ولا نكذّبه كذلك، ولكن نعرضها على ما شرع الله ورسوله لنا، فما وافقه أخذنا به، وما ناقضه تركناه.

لأنّ شرع الله الذي شرع لعباده واحد، خاصّة فيما يتعلّق بتوحيد العقيدة مع الله، وأُبْقُوا على دينهم، حتى يطمئن من عرف دينه منهم حقيقة بمكانة دين الإسلام، وقد أخبر - صلى الله عليه وسلم: أن من عرف الحقيقة منهم، فكان مصدقاً بنبيّه وكتابه، ثم لمّا عرف الإسلام: آمن به وبنبيّه - صلى الله عليه وسلم -، فإن له أجرين: أجر دينه الذي كان مؤمناً به، ثم لما عرف الحقّ من دين الإسلام، فاضت عيناه من الدّمع، لَمَا عَرَفَ من الحقّ فآمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم -، وبرسالته واتّبعها، لأنّه يجد وصف ذلك في كتبهم.

يقول سبحانه في هذا: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ} (199) سورة آل عمران.

ويوم عاشوراء الذي أطلّ قمره، في العاشر من محرم حسب الشّهر العربي، يوم عظّمه أهل الكتاب فصاموه لأن موسى - عليه السلام - صامه، فكان له مكانة عند أهل الكتاب، وحتى عرب الجاهلية عرفوه أيضاً بتعظيمهم المحرم.

ورسول الله - صلى الله عليه وسلم -، لما قدم المدينة رأى اليهود، يصومون اليوم العاشر من شهر محرم، فسألهم عن السبب؟ فقالوا: هذا يوم نجّى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى - عليه السلام -، فنحن نصومه.. شكراً لله.

فقال - صلى الله عليه وسلم: (نحن أحقّ بموسى منكم) ، فصامه وأمر بصيامه، وقال لما سئل عن صوم يوم عاشوراء؟ احتسب على الله أن يكفِّر السّنة التي قبله) أخرجه مسلم في الصيام - فضل صوم المحرم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - .

وقد أجمع العلماء، على سنيّة صيام عاشوراء، لكنه ليس بواجب، فهو سنّة مؤكّدة، قال عبد الرحمن ابن قاسم في حاشية الروض المربع: عاشوراء: اسم إسلامي لم يعرف في الجاهلية، وهو العاشر من محرم وأجمعوا على سنّية صيام عاشوراء، وأنه ليس بواجب، وعن أحمد وجب ثم نسخ، اختاره الموفّق والشارح - يعني نفسه - والشيخ وغيرهم، وفاقاً لأبي حنيفة، وبقي استحبابه إجماعاً، والأخبار فيه مستفيضة، أو متواترة (450:3

وسئل ابن عباس عن صيامه؟ فقال: ما صام رسول - صلى الله عليه وسلم - يوماً يطلب فضله على الأيام، الاّ هذا اليوم، ولا شهراً الاّ هذا الشهر يعني رمضان، مع ان رسول - صلى الله عليه وسلم -، حث على صيام شهر المحرم لفضله.

وروى مسلم عن ابن عباس: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (لئن بقيت، أو لئن عشت إلى قابل، لأصومنّ التاسع يعني مع العاشر) . ولذا قال العلماء: يكره إفراد العاشر لقوله - صلى الله عليه وسلم: (صوموا يوماً قبله أو يوماً بعده خالفوا اليهود) ... وفي رواية: (صوموا يوماً قبله، ويوماً بعده) ويقول بهذا من يشكّ في الشهر، أو من يستحسن صيام ثلاثة أيام متتابعة، ولذا من ترجيحات شيخنا عبد العزيز بن بكر، واستحسانه صيام هذه الثّلاثة. رحمه الله.

ومن هذا التفضيل بالصيام، أنه تعبير عن شكر نعمة الله: حيث انتصر الحق بنجاة موسى وقومه، واندحر الباطل، بغرق فرعون وقومه: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} (40) سورة القصص، ولكن أهل الكتاب ضيّعوا فضل هذا اليوم، وتمسّك به المسلمون.

ويوم الجمعة كان يوماً يعظمه أهل الكتاب أيضاً، كما في كتبهم، ولكنهم ضيّعوا هذا الفضل فقد رُوي في الموطأ وعند الترمذي وأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: خرجت إلى الطّور، فلقيت كعب الأحبار، فحدّثته عن التّوارة، وحدثنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه قال: (خير يوم طلعت عليه الشمس) يوم الجمعة. فيه خلق آدم، وفيه أهبط وفيه تِيْبَ عليه، وفيه مات، وفيه تقوم الساعة، وما من دابّة إلاّ وهي مصيخة يوم الجمعة، من حين تصبح حتى تطلع الشمس، شفقاً من الساعة، إلاّ الجنّ والإنس، وفيه ساعة لا يوافقها عبد مسلم وهو يصلي، يسأل لله شيئاً إلاّ أعطاه الله.. قال كعب: ذلك في كل سنة يوم؟ فقلت: بل في كل جمعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت