2-الانتقال والتوجه إلى المطالبة القانونية بتجريم الإساءة إلى الإسلام ومقدساته ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الرسل والأنبياء عليهم صلوات الله وسلامه، والإصرار على ذلك كأحد أهداف الانتصار، ومن المعلوم أن هذه معركة كبيرة لن تتم بسهولة، ولا يُتوقع أن تنتهي في وقت قصير، والظاهر أنها ستكشف المزيد من المفارقات في الازدواجية الحضارية والسياسية لدى الغرب، الذي لديه محرمات تُجرِّمها القوانين وتخرجها من دائرة حرية التعبير كمعاداة السامية والتعرض للمحرقة اليهودية وغير ذلك، بينما تجعل التطاول على القرآن، والإساءة إلى رسوله الأعظم صلى الله عليه وسلم ضرباً من حرية التعبير، ومن شواهد ذلك ما نشرته الجارديان البريطانية من أن المجلة الدانمركية ذاتها رفضت نشر رسوم مسيئة لعيسى عليه السلام عام 2003م وعللت ذلك بأنه سيزعج مشاعر كثير من الناس، وأظهر من ذلك وأبلغ تصريح الأديب الألماني الحاصل على جائزة نوبل"غونتر غراس"حيث قال:"إن جميع محرري الصحيفة كانوا على معرفة مسبقة بتحريم العالم الإسلامي لرسم الله أو رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وتجاهلوا تحذير خبير دانمركي في الشؤون الإسلامية، وأصروا على نشر الرسوم المستفزة لأنهم يمينيون متطرفون ومعادون للأجانب"، ثم الإعلان الصريح الواضح من رئيس تحرير المجلة سيئة الذكر بأن مجلته لن تنشر أي رسوم عن المحرقة اليهودية.
3-إعادة نشر الرسوم المسيئة في صحف ومجلات أوروبية في معظم الدول الأوروبية الكبرى، انتصاراً للدانمرك، أو تخفيفاً عنها من وطأة المقاطعة الاقتصادية، أو تأكيداً ودعماً لحرية التعبير كما يزعمون، وأياً كان السبب فإن ذلك جعل القضية تأخذ أبعاداً عقدية وفكرية وحضارية أوسع وأعمق، مما جعل أخذ الأمر على أنه مجرد حرية تعبير، أو إساءة رئيس تحرير، أو خطأ مجلة أمراً غير وارد مطلقاً، وإنما هو إساءة متعمدة من فئات متطرفة حاقدة، وهي وإن كانت لا تُمثل كل الشعوب لكنها لتيارات لها نفوذها الإعلامي وحضورها السياسي والاجتماعي.
4-التحول الإيجابي من الاستنكار وطرق التعبير عنه، إلى الأعمال والمبادرات الفكرية والدعوية في شأن التعريف بالرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم خاصة، والدين الإسلامي عامة، والتنادي إلى توضيح المنهج الإسلامي في حرية التعبير وحدودها، وحقوق الإنسان وضوابطها، وكل ذلك ضمن الاعتراف بتقصير المسلمين في هذه الجوانب، والدعوة إلى العمل الدائب والمشروعات المستمرة استدراكاً للنقص، وإقامة للحجة، وإشاعة للدعوة، ودحضاً للشبهة،، وتلك أمور بدأت ولن تتوقف بإذن الله.
5-بوادر ومظاهر الوعي الجيد لدى المسلمين حيث أدركوا حقيقة الأعمال التي تهدف إلى إضعاف أو إيقاف نصرتهم، سواء في ذلك الاعتذارات المبطنة المخادعة من المجلة ورئيس تحريرها، أو الإعلانات الرسمية التي نشرتها السفارات الدانمركية في عدد من الدول الإسلامية، أو تعمد نشر الرسوم في دول مختلفة لتشتيت المقاطعة، وكل ذلك كان موضع الفهم والاستيعاب الفكري، والذكاء والإتقان العملي.
وقفة مهمة:
قبل أن أمضي في المقال أقف هنا لأبين أننا - معشر المسلمين - لا نسعى إلى إشعال صراع بين الحضارات، ولا نعمل على إثارة العنصريات، ولا نهدف إلى تأجيج العداوات، ومبادئ ديننا وحقائق تاريخنا وشواهد واقعنا تدل على ذلك وتؤكده، ولكننا في الحقيقة نمارس حقنا المشروع في الدفاع عن معتقداتنا ومقدساتنا، ونستدرك تقصيرنا في القيام بخدمة ديننا، والتعريف بنبينا صلى الله عليه وسلم، ونعلن رسالتنا الحضارية في الميادين الإنسانية.
وفي الوقت نفسه فنحن نراجع ذواتنا لنجدد في أمتنا تميزها العقدي، وسموها الخلقي، ورقيها الحضاري ونثبتها عليه؛ لتكون لنا هويتنا الثقافية الحضارية التي لا تضعف و لا تذوب في الحضارات الأخرى الطاغية بقوة إعلامها واقتصادها وهيمنتها العسكرية والسياسية؛ وحتى نكون في عصر العولمة الجارفة رقماً صعباً يحسب له ألف حساب؛ وتصبح أمتنا قادرة على دخول المعترك بأصالة تؤثّر و لا تتأثر، وتتقدم ولا تتقزم، وتتجدد ولا تتبدد.
ومن نافلة القول بيان أن في الغرب تيارات يمينية ذات توجهات عنصرية وممارسات متطرفة، وهي تستبطن أحقاد الحروب الصليبية، وتتبنى الأفكار الصهيونية، وتلك التيارات لها نفوذ سياسي وتأثير إعلامي، وهؤلاء لا بد من مواجهتهم والوقوف في وجههم بما يدفع شرهم ويفضح أمرهم، ويبطل كيدهم الذي يدفع نحو تسميم العلاقات وصراع الحضارات، ولا ينفع هنا التغاضي والسكوت فضلاً عن المداهنة والمجاملة.
متطلبات الاستمرار والاستثمار:
والآن أشرع في هدف المقالة وهو محاولة الوصول إلى وضع إطار عام للوسائل والمعالم التي تكفل الاستمرار في الانتصار للنبي المختار صلى الله عليه وسلم وذلك من الناحية النظرية والعملية:
أولاً: الجوانب الممنوعة: