فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 3657

البشارة الأولى: قال متى في الإصحاح الثالث مخبرًا عن يوحنا المعمدان - يحيى عليه السلام - أنه قال: (أنا أعمدكم بالماء - وذلك للتوبة وغفران الخطايا - ولكن هناك شخص قادم بعدي وهو أقوى مني، لدرجة أنني لا أستحق حل سيور حذائه، وسيعمدكم بالروح والنار) . هذه البشارة أوردها كل من المهتدي عبد الأحد داود والنجار، وأضاف إليها النجار بعض العبارات التي تذكر صفة هذا القادم المنتظر، وهو قوله: (الذي رفشه بيده، وينقي بيدره، ويجمع قمحه إلى المخزن، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ) وأوضح هذه العبارات فقال: (قوله: الذي رفشه بيده. ونسخة الآباء العيسويين:(الذي بيده المذري) . إشارة إلى ما قام من حروب وجهاد مع الكفار لنصرة دين الله وإعلاء كلمته. وقوله: (وينقي بيدره) بمعنى يطهر موطنه من الأصنام ومن عبدتها المشركين. وقوله: (ويجمع قمحه إلى المخزن) أي يجمع صحابته والمؤمنين به عند بيت الله الحرام. (أما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ) . أي يقضي على عناصر الشر والفساد في العالم، ويناهض أهل الشرك والضلالة وعبادة الأصنام).

أما عبد الأحد داود فقد اكتفى بهذا النص الذي أوردته، وأشار على هذه الزيادة في ثنايا الشرح والتحليل. كما أنه أطال النفس في استنطاق هذه النبوة من جانبين: الجانب الأول: نفى فيه أن يكون النبي الذي تنبأ به يوحنا هو عيسى عليه السلام. وفي الجانب الثاني: أثبت أن هذا النبي المبشر هو محمد صلى الله عليه وسلم ، وقد قدم في الجانب الأول البراهين التالية:

1.أن نفس كلمة"بعد"تستبعد عيسى بكل وضوح من أن يكون هو النبي المبشر به، لأن عيسى ويوحنا ولدا في سنة واحدة وعاصر أحدهما الآخر، وكلمة"بعد"هذه تدل على مستقبل غير معلوم بعده.

2.أن يوحنا قدم المسيح عليه السلام إلى قومه وطلب منهم طاعته واتباعه، إلا أنه أخبرهم بوضوح أن ثمة كوكبًا آخر عظيمًا هو الأخير الخاتم الممجد عند الله.

3.لم يكن عيسى هو المقصود عند يوحنا، لأنه لو كان الأمر كذلك لتبع عيسى وخضع له، ولكنا نجده على العكس من ذلك إذ نجده يعظ ويعمد ويستقبل الأتباع في حياة المسيح عليهما السلام.

4.مع اعتقاد الكنائس النصرانية بأن المسيح إله أو ابن إله، إلا أن كونه معمدًا على يد يوحنا المعمدان يثبت أن الأمر بالعكس تماما، فلو كان عيسى هو الشخص الذي تنبأ به يوحنا على أنه أقوى منه، وأنه سيعمد بالروح وبالنار - لما كان هناك ضرورة أو معنى لتعميده في النهر على يد يوحنا وهو الشخص الأقل منه .

5.تضاربت الأناجيل في موقف يوحنا من عيسى: فهو في أحدها يرسل التلاميذ يسألونه: هل أنت النبي الذي سيأتي أم ننتظر واحدًا آخر؟ أما يوحنا كاتب الإنجيل فقد أثبت أن يوحنا لما رأى عيسى قال: انظروا حمل الله. ففي النص الأول: يتبين أن يوحنا لم يكن يعرف حقيقة المسيح، وفي النص: ذكر وصفًا مغايرًا للنبي المبشر به.

6.لا يمكن أن يكون يوحنا هو سلف عيسى المبشر به بالمعنى الذي تفسر فيه الكنائس بعثته، لأن من مهام هذا الرسول المبشر به أنه يمهد الطريق، وأنه يأتي فجأة إلى هيكله ويقيم السلام. فإذا اعتبر أن هذه المهام قد أسندت إلى يوحنا - فنستطيع أن نؤكد أنه فشل في تحقيقها فشلًا ذريعًا، لأن كل الذي قام به يوحنا تجاه عيسى عليهما السلام أنه استقبله على نهر الأردن وعمده فيه - كما زعموا -.

أما البراهين أو الأدلة التي قدمها هذا المهتدي على أن يوحنا قد بشر بمحمد صلى الله عليه وسلم فهي:

1.يتأكد من هذه النبوة شيء واحد وهو أن النبي الذي تمت البشارة بقدومه معروف لدى كافة الرسل والأنبياء، وإلا لما اعترف شخص معصوم هذا الاعتراف المتواضع.

2.أن إنكار الرسالة المحمدية هو إنكار أساسي لكل الوحي الإلهي، وكافة الرسل الذين بشروا به، لأن جميع الأنبياء معًا لم ينجزوا العمل الهائل الذي أنجزه محمد صلى الله عليه وسلم وحده في فترة قصيرة لم تتجاوز ثلاثة وعشرين عاما.

3.اعتراف يوحنا بأن"محمدًا"صلى الله عليه وسلم أعلى منه وأسمى قدرًا، يتضح ذلك من قوله"هو أقوى مني"وبمقارنة ما كان عليه يوحنا بما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم ، نجد أن الواقع يشهد أن محمدًا ص كان هو الأقوى الذي بشر به يوحنا، يتضح ذلك من خلال الصورة المأساوية التي ترسمها الأناجيل لنهاية يوحنا حيث يسجن ثم يقطع رأسه ويقدم على طبق، بينما نرى محمدًا صلى الله عليه وسلم يدخل مكة دخول الفاتح العظيم، ويدمر الأصنام، ويطهر الكعبة، والكفار مستسلمون له ينتظرون حكمه فيهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت