فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 3657

وليس كل من قالوا: إنهم نصارى إذن داخلين في ذلك الحكم: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا } . . كما يحاول أن يقول من يقتطعون آيات القرآن دون تمامها . . إنما هذا الحكم مقصور على حالة معينة لم يدع السياق القرآني أمرها غامضًا ، ولا ملامحها مجهلة ، ولا موقفها متلبسًا بموقف سواها في كثير ولا قليل . .

ولقد وردت روايات لها قيمتها في تحديد من هم النصارى المعنيون بهذا النص:

أورد القرطبي في تفسيره: « وهذه الآية نزلت في النجاشي وأصحابه ، لما قدم عليهم المسلمون في الهجرة الأولى - حسب ما هو مشهور في سيرة ابن اسحاق وغيره - خوفًا من المشركين وفتنتهم؛ وكانوا ذوي عدد . ثم هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة بعد ذلك فلم يقدروا على الوصول إليه ، حالت بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم الحرب . فلما كانت وقعة بدر وقتل الله فيها صناديد الكفار ، قال كفار قريش: إن ثأركم بأرض الحبشة . فأهدوا إلى النجاشي وابعثوا له برجلين من ذوي رأيكم يعطيكم من عنده ، فتقتلونهم بمن قتل منكم ببدر . فبعث كفار قريش عمرو بن العاص وعبدالله بن أبي ربيعة بهدايا . فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك ، فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عمرو بن أمية الضمري وكتب معه إلى النجاشي؛ فقدم على النجاشي ، فقرأ كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا جعفر بن أبي طالب والمهاجرين ، وأرسل إلى الرهبان والقسيسين فجمعهم . ثم أمر جعفر أن يقرأ عليهم القرآن ، فقرأ سورة » مريم « فقاموا تفيض أعينهم من الدمع .

فهم الذين أنزل الله فيهم: { ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى } وقرأ إلى { الشاهدين } ( رواه أبو داود . قال: حدثنا محمد بن مسلمة المرادي ، قال: حدثنا ابن وهب . قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب ، عن أبي بكر عبدالرحمن بن الحرث بن هشام . وعن سعيد بن المسيب وعن عروة بن الزبير: أن الهجرة الأولى هجرة المسلمين إلى أرض الحبشة . وساق الحديث بطوله .

« وذكر البيهقي عن ابن إسحاق قال: قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - عشرون رجلًا وهو بمكة ، أو قريب من ذلك ، من النصارى حين ظهر خبره ، من الحبشة ، فوجدوه في المسجد ، فكلموه وسألوه ، ورجال من قريش في أنديتهم حول الكعبة . فلما فرغوا من مسألتهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عما أرادوا ، دعاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الله عز وجل ، وتلا عليهم القرآن . فلما سمعوه فاضت أعينهم من الدمع ، ثم استجابوا له وآمنوا به وصدقوه ، وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره . فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: خيبكم الله من ركب! بعثكم من وراءكم من أهل دينكم ترتادون لهم فتأتونهم بخبر الرجل ، فلم تطل مجالستكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال لكم ، ما نعلم ركبًا أحمق منكم - أو كما قال لهم - فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم ، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، لا نألو أنفسنا خيرًا . . فيقال: إن النفر النصارى من أهل نجران . ويقال: إن فيهم نزلت هؤلاء الآيات: { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } إلى قوله: { لا نبتغي الجاهلين } » وقيل: إن جعفرًا وأصحابه قدم على النبي صلى الله عليه وسلم في سبعين رجلًا عليهم ثياب الصوف ، فيهم اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيراء الراهب وإدريس وأشرف وأبرهة وثمامة وقثم ودريد وأيمن . فقرأ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة « يس » إلى آخرها ، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا به ، وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى . فنزلت فيهم { لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ، ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى } . . يعني وفد النجاشي . وكانوا أصحاب الصوامع . وقال سعيد بن جبير: وأنزل الله فيهم أيضًا { الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون } إلى قوله { أولئك يؤتون أجرهم مرتين } إلى آخر الآية . وقال مقاتل والكلبي كانوا أربعين رجلًا من أهل نجران من بني الحرث بن كعب ، واثنين وثلاثين من الحبشة ، وثمانية وستين من أهل الشام . وقال قتادة: نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة من الحق مما جاء به عيسى ، فلما بعث الله محمدًا صلى الله عليه وسلم آمنوا به فأثنى الله عليهم « .

وهذا الذي نقرره في معنى هذا النص؛ والذي يدل عليه السياق بذاته ، وتؤيده هذه الروايات التي أسلفنا ، هو الذي يتفق مع بقية التقريرات في هذه السورة وفي غيرها عن موقف أهل الكتاب عامة - اليهود والنصارى - من هذا الدين وأهله . كما أنه هو الذي يتفق مع الواقع التاريخي الذي عرفته الأمة المسلمة خلال أربعة عشر قرنًا .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت