فهرس الكتاب

الصفحة 3624 من 3657

لقد تفاجأ الإعلام العالمي عامة والغربي خاصة بحجم الغضب الذي تفجر في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وردة الفعل القوية التي عبرت بها الشعوب المسلمة نصرة لنبيها والمتمثلة في المقاطعة الاقتصادية، وحق لهم أن يندهشوا! فلقد تعودوا من المسلمين الصبر الجميل على الإهانات المتواصلة بحق أنفسهم وبحق دينهم و حضارتهم، عودهم المسلمون على التسامح والصفح والتماس العذر وقبول الاعتذار، عودوهم على إدارة الخد الأيمن بعد صفع الأيسر، قبلت الشعوب المسلمة سلسلة من الإهانات المتلاحقة منذ أن ُأخذ مليار ونصف مسلم بجريرة بضع مئات منهم، فوصم دينهم بالإرهاب تصريحا وتلميحا، ووصم كتابهم المقدس بالتحريض على الكراهية، وعومل الكثير منهم على أنهم متهمون بالإرهاب بناء على لون بشرتهم أو ارتداء نسائهم للحجاب، فالتمسوا العذر لمنتهكي حقوقهم! بل وتسابقوا لإعطاء كل ما يستطيعون من تنازلات لإثبات حسن سلوكهم وسلامة طويتهم، ومع ذلك فلم يشفع لهم ذلك عند شانئهم ولم يغني عنهم شيئا، وأستمر مسلسل إذكاء الكراهية والحقد تجاه الإسلام، فتم تمزيق و تدنيس المصحف في المعتقلات الأمريكية وهدمت المساجد وانتهكت حرمات وأعراض، واستمرت الصفعات من كبار القوم، ثم فعلوا بنبينا الأكرم كما فعل به رؤوس الكفر عند دعوته لأهل الطائف فأغروا به سفهاءهم، فتولى كبر الإساءة سفهاء تلك الصحيفة الدنماركية، ثم تبعهم في ذلك سفهاء آخرين في أوروبا، وهنا طفح الكيل وبلغ السيل الزبى وأعلنها المسلمون صريحة"إلا رسول الله!"وهو شعار معبر لا يفهمه إلا من تأدب بالوحي المنزل القائل (( النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم ) )، فجاء العذر متأخرا وقبيحا !، فالمشكلة في المسلمين -المتخلفين- الذين لا يتفهمون تقاليد بلادهم التي تبيح لهم السخرية من كل أحد -زعموا!-، وعلى الرغم من متابعتي لعشرات المقالات والتصريحات -وما سمي بالاعتذارات- من المسئولين الدنمركيين إلا أنني لاحظت المراوغة والتهرب البين من إعطاء إجابة مباشرة حول حرية التعبير عند مناقشة موضوع حدوث المحرقة النازية لليهود أو السماح بالحديث عن السامية أو التشهير بأحبار اليهود، فكل أولئك يعلو سقف الحرية المزعومة.

للغربيين أن يحددوا لشعوبهم سقف حريتهم كيفما أرادوا طالما تعلقت تلك الحرية بأفرادهم ومجتمعاتهم، للأوروبي الحق في ممارسة ما يشاء من سخرية برموزه وزعمائه، بدء برجال -ونساء البلاط الملكي!- مرورا برجال الكنيسة وانتهاء بمشاهير الفن والرياضة، وله كل الحق في سن ما شاء من قوانين تسعى لتحطيم قيم الأسرة فيبيح زواج المثليين والشواذ، ويغض الطرف عن زنا المحارم، ويمنح التراخيص الرسمية لبيوت الدعارة ونوادي التعري (الستربتيز) ، ويبيح تعاطي الحشيش، فذلك شأنه وتلك مشكلته، كما أن له أن يقرر احترام مشاعر اليهود فلا يجرحها بتصويرهم كنصابين أو مرابين أو جواسيس أو حتى بخلاء انتهازيين!، وله أن يحدد لمجتمعه قواعد الذوق أو ما يسمونه بالاتيكيت فيرى بأن الأفضل في تحية المرأة هو تقبيلها على خديها بينما يستهجن تقبيل الرجل للرجل عند اللقاء، وله أن لا يرى في تعدد العشاق والعشيقات بأسا ثم ينتقد تعدد الزوجات، بل إن الغربي يشترط التهذيب في التلفظ فيتوقع من مخاطبه أن يسبق أي طلب بكلمة"Pl صلى الله عليه وسلم as صلى الله عليه وسلم"أي من فضلك و أن يختم حديثه بالشكر ولكنه لا يرى بالمقابل أن في السخرية من مقام نبي مرسل أي دليل على عدم التهذيب بحق ذلك النبي و بحق أتباعه، لأن منظري الأتيكيت قد طبقوا قواعد الذوق -فقط- على وضعية الشوكة والملعقة على مائدة الطعام وعلى استهجان التجشؤ أو فتح الفم أثناء الأكل وهو مملؤ بالطعام، وما عدا ذلك من إساءات يدخل ضمن الحريات الشخصية وحرية التعبير ولا علاقة له بالتحضر!.

ومن هنا فلا بد من أن نسعى جميعا شعوبا و حكومات إلى التنادي إلى ميثاق أو معاهدة"ذوق"يحدد لقليلي الذوق وعديمي الأخلاق سقفا لحرياتهم الشخصية في عالم أنكمش حجمه وتشابكت مصالحه، ميثاق يجرم الإساءة لكافة أنبياء الله و كل الأديان السماوية الثابتة -لا اليهودية فقط!-، إن ميثاقا من هذا النوع قد يكون أكثر أهمية من معاهدات كثيرة يتحدث عنها العالم اليوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت