11 ـ حكمة عمر العظيمة في فض النزاع في سقيفة بني ساعدة، وذلك أنه بادر فأخذ بيد أبي بكر فبايعه فانصب الناس وتتابعوا في مبايعة أبي بكر، وانفض النزاع والحمد لله تعالى.
12 ـ بلاغة أبي بكر فقد تكلم في السقيفة فأجاد وأفاد حتى قال عمر عنه: "فتكلم أبلغ الناس".
13 ـ قد نفع الله بخطبة عمر يوم موت البني صلّى الله عليه وسلّم قبل دخول أبي بكر فخاف المنافقون، ثم نفع الله بخطبة أبي بكر فعرف الناس الحق.
14 ـ ظهرت حكمة أبي بكر وحسن سياسته في خطبته يوم الثلاثاء بعد الوفاة النبوية، وبين أن الصدق أمانة والكذب خيانة، وأن الضعيف قوي عنده حتى يأخذ له الحق، والقوي ضعيف عنده حتى يأخذ منه الحق، وطالب الناس بالطاعة له إذا أطاع الله ورسوله، فإذا عصى الله ورسوله فلا طاعة لهم عليه.
15 ـ حكمة عمر رضي الله عنه وشجاعته العقلية والقلبية حيث خطب الناس قبل أبي بكر ورجع عن قوله بالأمس واعتذر، وشد من أزر أبي بكر، وبين أن أبا بكر صاحب رسول الله وأحب الناس إليه، وثاني اثنين إذ هما في الغار.
16 ـ استحباب بياض الكفن للميت، وأن يكون ثلاثة أثواب ليس فيها قمص ولا عمامة، وأن يلحد لحدًا، وأن ينصب عليه اللبن نصبًا، وأن يكون مسنمًا بقدر شبر فقط.
المبحث الثالث عشر: مصيبة المسلمين بموته صلّى الله عليه وسلّم
من المعلوم يقينًا أن محبة النبي صلّى الله عليه وسلّم محبة كاملة من أعظم درجات الإيمان الصادق؛ ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده، ووالده، والناس أجمعين" ( [264] ) . فإذا فقد الإنسان أهله، أو والده، أو ولده، لا شك أن هذه مصيبة عظيمة من مصائب الدنيا، فكيف إذا فقدهم كلَّهم جميعًا في وقت واحد؟
ولا شك أن مصيبة موت النبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم المصائب على المسلمين؛ ولهذا جاءت الأحاديث الصحيحة بذلك، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: فتح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بابًا بينه وبين الناس، أو كشف سترًا فإذا الناس يصلون وراء أبي بكر، فحمد الله على ما رآه من حسن حالهم، ورجاء أن يخلفه الله فيهم بالذي رآهم، فقال: "يا أيها الناس أيما أحد من الناس أو من المؤمنين أُصيب بمصيبة فلْيتعزَّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري؛ فإن أحدًا من أُمتي لن يُصاب بمصيبة أشدَّ عليه من مُصيبتي" ( [265] ) .
وعن أنس رضي الله عنه قال:"لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المدينة أضاء منها كل شيء ( [266] ) ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم الأيدي ( [267] ) وإنا لفي دفنه ( [268] ) حتى أنكرنا ( [269] ) قلوبنا" ( [270] ) .
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال أبو بكر رضي الله عنه - بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم - لعمر: انطلق بنا إلى أمِّ أيمن نزورها كما كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يزورها، فلما انتهيا إليها بكت فقالا لها: ما يبكيك؟ فما عند الله خير لرسوله صلّى الله عليه وسلّم. قالت: إني لأعلم أن ما عند الله خير لرسوله صلّى الله عليه وسلّم، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء فجعلا يبكيان معها ( [271] ) .
وما أحسن ما قال القائل:
واعلم بأن المرء غير مخلَّد
... ... اصبر لكلِّ مصيبة وتجلد
فاذكر مصابك بالنبي محمد
... ... فإذا ذكرت مصيبة تسلو بها
وخلاصة القول: أن الدروس والفوائد والعبر المستفاد هذا المبعث كثيرة، ومنها:
1 ـ موت النبي صلّى الله عليه وسلّم أعظم مصيبة أصيب بها المسلمون.
2 ـ إنكار الصحابة قلوبهم بعد موت النبي صلّى الله عليه وسلّم؛ لفراقهم نزول الوحي وانقطاعه من السماء.
3 ـ النبي صلّى الله عليه وسلّم أحب إلى المسلمين من النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين، وقد ظهر ذلك عند موته بين القريب والبعيد من أصحاب النبي صلّى الله عليه وسلّم، بل وجميع المسلمين.
4 ـ محبة الصحابة للإقتداء والتأسي برسول الله صلّى الله عليه وسلّم في كل شيء من أمور الدين حتى في زيارة النساء كبار السن، كما فعل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما.
المبحث الرابع عشر: ميراثه صلّى الله عليه وسلّم
عن عمرو بن الحارث رضي الله عنه قال:"ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند موته: دِرْهمًا، ولا دينارًا، ولا عبدًا، ولا أمَةً، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء [التي كان يركبها] وسلاحه، [وأرضًا بخيبر] جعلها [لابن السبيل] صدقة" ( [272] ) . وعن عائشة رضي الله عنها قالت: ما ترك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دينارًا، ولا درهمًا، ولا شاة، ولا بعيرًا، ولا أوصى بشيء ( [273] ) " ( [274] ) ."