فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 3657

فلما عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على فتح مكة لما نقض أهلها عهد الحديبية أمر المسلمين بالتجهيز لغزوهم ، وقال: « اللهم عَمِّ عليهم خبرنا » . وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من أصحابه بوجهته ، كان منهم حاطب . فعمد حاطب فكتب كتابًا وبعثه مع امرأة مشركة قيل من مزينة جاءت المدينة تسترفد إلى أهل مكة يعلمهم بعزم رسول الله صلى الله عليه وسلم على غزوهم ، ليتخذ بذلك عندهم يدًا . فأطلع الله تعالى رسوله على ذلك استجابة لدعائه . وإمضاء لقدره في فتح مكة . فبعث في أثر المرأة ، فأخذ الكتاب منها .

وقد روى البخاري في المغازي ، ورواه مسلم في صحيحه من حديث حصين بن عبد الرحمن ، عن سعد ابن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي ، عن علي رضي الله عنه قال: « بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا مرثد والزبير بن العوام وكلنا فارس وقال: انطلقوا حتى تأتوا روضة خاخ ، فإن بها امرأة من المشركين معها كتاب من حاطب بن أبي بلعتة إلى المشركين » . فأدركناها تسير على بعير لها حيث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: الكتاب؟ فقالت ما معي كتاب . فأنخناها فالتمسنا فلم نر كتابًا . فقلنا: ما كذب رسول الله صلى الله عليه وسلم لتخرجن الكتاب أو لنجردنك . فلما رأت الجد أهوت إلى حجزتها ، وهي متحجزة بكساء ، فأخرجته . فانطلقنا به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال عمر: يا رسول الله . قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضربن عنقه . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: « ما حملك على ما صنعت؟ » قال حاطب: والله ما بي إلا أن أكون مؤمنًا بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم أردت أن تكون لي عند القوم يد . يدفع الله بها عن أهلي ومالي ، وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع الله به عن أهله وماله . فقال: « صدق لا تقولوا إلا خيرًا » فقال عمر: إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين ، فدعني فلأضرب عنقه . فقال: « أليس من أهل بدر؟ فقال: لعل الله اطلع إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد وجبت لكم الجنة أو قد غفرت لكم » فدمعت عينا عمر ، وقال: الله ورسوله أعلم « . وزاد البخاري في كتاب المغازي: فأنزل الله السورة: { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أوليآء تلقون إليهم بالمودة } وفي رواية أخرى أن الذين أرسلوا كانوا هم علي والزبير والمقداد .

والوقوف قليلًا أمام هذا الحادث وما دار بشأنه لا يخرج بنا عن « ظلال القرآن » والتربية به وبالأحداث والتوجيهات والتعقيبات عن طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم القائد المربي العظيم . .

واول ما يقف الإنسان أمامه هو فعلة حاطب ، وهو المسلم المهاجر ، وهو أحد الذين أطلعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم على سر الحملة . . وفيها ما يكشف عن منحنيات النفس البشرية العجيبة ، وتعرض هذه النفس للحظات الضعف البشري مهما بلغ من كمالها وقوتها؛ وأن لا عاصم إلا الله من هذه اللحظات فهو الذي يعين عليها .

ثم يقف الإنسان مرة أخرى أمام عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم وهو لا يعجل حتى يسأل: « ما حملك على ما صنعت » في سعة صدر وعطف على لحظة الضعف الطارئة في نفس صاحبه ، وإدراك ملهم بأن الرجل قد صدق ، ومن ثم يكف الصحابة عنه: « صدق لا تقولوا إلا خيرًا » . ليعينه وينهضه من عثرته ، فلا يطارده بها ولا يدع أحدًا يطارده . بينما نجد الإيمان الجاد الحاسم الجازم في شدة عمر: « إنه قد خان الله ورسوله والمؤمنين . فدعني فلأضرب عنقه » . . فعمر رضي الله عنه إنما ينظر إلى العثرة ذاتها فيثور لها حسه الحاسم وإيمانه الجازم . أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فينظر إليها من خلال إدراكه الواسع الشامل للنفس البشرية على حقيقتها ، ومن كل جوانبها ، مع العطف الكريم الملهم الذي تنشئه المعرفة الكلية . في موقف المربي الكريم العطوف المتأني الناظر إلى جميع الملابسات والظروف . .

ثم يقف الإنسان أمام كلمات حاطب ، وهو في لحظة ضعفه ، ولكن تصوره لقدر الله وللأسباب الأرضية هو التصور الإيماني الصحيح . . ذلك حين يقول: « أردت أن تكون لي عند القوم يد . . يدفع الله بها عن أهلي ومالي » . . فالله هو الذي يدفع ، وهذه اليد لا تدفع بنفسها ، إنما يدفع الله بها . ويؤكد هذا التصور في بقية حديثه وهو يقول: « وليس أحد من أصحابك إلا له هناك من عشيرته من يدفع . . الله . . به عن أهله وماله » فهو الله حاضر في تصوره ، وهو الذي يدفع لا العشيرة . إنما العشيرة أداة يدفع الله بها . .

ولعل حس رسول الله الملهم قد راعى هذا التصور الصحيح الحي في قول الرجل ، فكان هذا من أسباب قوله صلى الله عليه وسلم -: « صدق . لا تقولوا إلا خيرًا » .

وأخيرًا يقف الإنسان أمام تقدير الله في الحادث؛ وهو أن يكون حاطب من القلة التي يعهد إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم بسر الحملة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت