وعن أنس بن مالك رضي الله عنه (خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال:"كان رسول الله صلى الله عليه وسلم من أحسن الناس خُلُقًا، فأرسلني يومًا لِحاجة، فقلت: والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهب لِما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم. فخرجتُ حتى أمُرَّ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم بقفاي (من ورائي) ، فنظرتُ إليه وهو يضحك."
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا أُنَيس ذهبتَ حيث أمرتُك، فقلت: أنا أذهب يا رسول الله!
قال أنس رضي الله عنه: والله لقد خدمته تسع سنين ما عَلِمته قال لشيء صنعتُه، لم فعلتَ كذا وكذا؟ ولا عاب علَيّ شيئًا قط، والله ما قال لي أُف قط"، رواه مسلم."
قلت فكم من مرة قلنا لوالدينا أفٍّ أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فما قال لخادمه أفٍّ قط!!.
وعن أبي هالة عن الحسن بن علي قال أن النبي عليه الصلاة والسلام كان خافض الطرف (من الخفض ضد الرفع فكان إذا نظر لم ينظر إلى شيء يخفض بصره لأن هذا من شأن من يكون دائم الفكرة لاشتغال قلبه بربه) ، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، وكان جل نظره الملاحظة (المراد أنه لم يكن نظره إلى الأشياء كنظر أهل الحرص والشره بل بقدر الحاجة) ، يسوق أصحابه أمامه (أي يقدمهم أمامه، ويمشي خلفهم تواضعًا، أو إشارة إلى أنه كالمربي، فينظر في أحوالهم وهيئتهم، أو رعاية للضعفاء وإغاثة للفقراء، أو تشريعًا، وتعليمًا، وفي ذلك رد على أرباب الجاه وأصحاب التكبر والخيلاء ) ، وكان صلى الله عليه وسلم يبدر من لقي بالسلام.
لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم من أكمل الناس شرفًا وألطفهم طبعًا وأعدلهم مزاجًا وأسمحهم صلة وأنداهم يدًا لأنه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
* وقد أكّد الرسول صلى الله عليه وسلم على التواضع في جملة في الأحاديث منها:
-قوله صلى الله عليه وسلم:"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خُلُقًا ، و خِياركم خِياركم لِنسائه خُلُقا".
-وقوله صلى الله عليه وسلم:"إن المؤمن لَيُدرك بِحُسن خُلُقه درجة الصائم القائم"، صحيح رواه أبو داود.
* العفو عند الخصام:
عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنَّ رجلًا شتم أبا بكر والنبي صلى الله عليه وسلم جالس يتعجب ويبتسم، فلما أكثر ردّ عليه بعض قوله، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم، فلحقه أبو بكر قائلًا له: يا رسول الله كان يشتمني وأنت جالس، فلما رددت عليه بعض قوله غضبتَ وقُمتَ!!
فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كان معك مَلَك يرد عليه ، فلما رددتَ عليه وقع الشيطان (أي حضر) يا أبا بكر ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظُلِمَ بمظلمة فيُغضي (أي يعفو) عنها لله عز و جل إلا أعزَّ الله بها نصره و ما فتح رجل باب عطِيَّة ( أي باب صدقة يعطيها لغيره) يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، و ما فتح رجل باب مسألة (أي يسأل الناس المال ) يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قِلَّة".
* من تواضع الرسول صلى الله عليه و سلم:
عن أنس رضي الله عنه قال:"ما كان شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا له لِما يعلمون من كراهيته لذلك"، رواه أحمد والترمذي بسند صحيح.
"كان يزور الأنصار، ويُسَلِّم على صبيانهم ، و يمسح رؤوسهم"، حديث صحيح رواه النسائي.
وكان عليه الصلاة والسلام يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم. وكان يجلس على الأرض و يأكل على الأرض ويجيب دعوة العبد، كما كان يدعى إلى خبز الشعير فيجيب.
عن أنس رضي الله عنه قال:"كانت ناقة رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تُسبَق أو لا تكاد تُسبَق، فجاء أعرابي على قعود له (أي جمل) فسبقها، فشق ذلك على المسلمين حتى عرفه، فقال الرسول صلى الله عليه و سلم:"حق على الله أن لا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه"، رواه البخاري."
* من رِفق الرسول صلى الله عليه و سلم:
قال الله تعالى: { لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عَنِتُّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم} .
عن أنس رضي الله عنه قال:"بينما نحن في المجلس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ جاء أعرابي فقام يبول في المسجد فصاح به أصحاب رسول الله صلى الله عليه و سلم: مَه مَه (أي اترك) !!"
قال النبي عليه الصلاة و السلام: لا تُزرموه، (لا تقطعوا بوله) .
فترك الصحابة الأعرابي يقضي بَوله، ثم دعاه الرسول صلى الله عليه و سلم و قال له:
"إن المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول والقذر، إنَّما هي لِذِكر الله والصلاة و قراءة القرآن"، ثم قال لأصحابه صلى الله عليه و سلم:"إنَّما بُعِثتم مُبَشِرين، ولم تُبعَثوا معسرين، صُبّوا عليه دلوًا من الماء".
عندها قال الأعرابي:"اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا".
فقال له الرسول صلى الله عليه وسلم:"لقد تحجَّرتَ واسعًا"، (أي ضَيَّقتَ واسعًا) ، متفق عليه.