فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 3657

ولقد رسخ الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أسس ومبادئ الإدارة وفن قيادة الآخرين من خلال مواقفه مع أصحابه، فكل موقف كان يرسخ مبدأً جديدًا في كيفية إنجاز الأعمال بنجاح وتميز دون إهدار حقوق الغير، ودون التقليل من المهام الموكولة للآخرين، بل يصبح تقسيم العمل والتعاون والاستماع للآخرين من الصفات التي ينبغي أن نتحلى بها في تعاملنا نحن في أعمالنا.

وقد كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم- أكبر الأثر في توجيه صحابته وتحفيزهم على العمل بكفاءة ،وبذلك فنجده صلى الله عليه وسلم قد وضع هذه الأسس قبل أن نكتب فيها بأربعة عشر قرنًا فمن أولى هذه المبادئ:

مهارة تحفيز وتشجيع فريق العمل

يصف الواقدي تحركات الرسول - صلى الله عليه وسلم- بجيشه نحو حُنين حيث ينقل قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأصحابه:"ألا فارس يحرسنا الليلة؟"إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوي على فرسه فقال: أنا ذا يا رسول الله، فقال صلى الله عليه وسلم:"انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا فلا تنزلن إلا مصليًا أو قاضي حاجة ، ولا تغرن من خلفك".

قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة فخرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال:"أأحسستم فارسكم الليلة؟".

قلنا لا والله، فأقيمت الصلاة فصلى بنا ، فلما سلّم رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينظر خلال الشجر، فقال:"أبشروا جاء فارسكم"وعندئذ جاء (أي الفارس) وقال:

يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتني فلم أنزل عن فرسي إلا مصليًا أو قاضي حاجة حتى أصبحت ، فلم أحس أحدًا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"انطلق فانزل عن فرسك وأقبل علينا، فقال: ما عليه أن يعمل بعد هذا عملًا".

كان من منهج النبي -صلى الله عليه وسلم- في الأداء أنه كان دائما ما يعمد إلى التخيير وبث روح المنافسة بين فريق عمله.."ألا فارس يحرسنا الليلة ؟".

كما أنه استقبل حديث"أنيس"وهو يتحدث عن دوره وإجادته في تنفيذه بنفس طيبة"قال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتني فلم أنزل عن فرسي إلا مصليًا أو قاضي حاجة حتى أصبحت فلم أحس أحدًا".

فلم يتهمه النبي -صلى الله عليه وسلم - وهو يعرض موقفه بنقص في إخلاصه لا سيما وأنه يدلي بهذا الحديث أمام جمع من صحابته -رضوان الله عليهم - ، ثم يبادر النبي بتشجيعه وتحفيزه:"ما عليه أن يعمل بعد هذا عملا".

وفي هذا الثناء والتشجيع والإشادة بالموقف.. ما يدعو كل مشرف أو مدير إلى استنفاذ طاقة فريقه وتفانيهم في العمل ، كما أن الرسول أتقن فن التحفيز والتشجيع من خلال الأوصاف المتميزة على صحابته، فأبو بكر الصديق وعمر الفاروق - رضي الله عنهما- كما ذكر محمد أحمد عبد الجواد في كتابه"أسرار التميز الإداري والمهاري في حياة الرسول".

مهارة بناء العلاقات مع الآخرين.. والتعامل مع الناس

إذا كانت الإدارة الناجحة في حقيقتها.. هي فن إدارة الآخرين لتحقيق هدف معين؛ فإن مناط نجاحها هو التعامل الأمثل مع هؤلاء البشر الذين يراد بهم تحقيق هذا الهدف..

ومن ثم تصبح من المسلمات لكل من يتولى مهمة الإدارة أو يتصدى لقيادة الآخرين أن يجيد هذا الفن، حيث إنه سيواجه أصنافًا من البشر تختلف عن بعضها في الأمزجة والميول والمشارب والاتجاهات، وإذا تأملنا هذه الصفة في سيد الأنبياء -صلى الله عليه وسلم- وجدناها جلية واضحة..

يقول الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ:

".. فدخل رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على خديجة ـ رضي الله عنها ـ فقال زملوني.. زملوني"فزملوه حتى ذهب عنه الروع، فقال لخديجة وأخبرها الخبر:"لقد خشيت على نفسي"، فقالت خديجة: كلا والله لا يخزيك الله أبدًا.."إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكلّ ، وتكسب المعدوم، وتقرى الضيف، وتعين على نوائب الحق..".

لننظر في هذه الصفات ولنتأمل فيما قالته السيدة خديجة -رضي الله عنها- عن رسول الله، ولكي ندرك أكثر هذه المهارة ونتعامل بها؛ فإن هنا بعض المنطلقات التي ينبغي الإيمان بها حتى تكون حركتنا في هذا المجال راشدة ومهدفة:

* في بناء العلاقات لابد من معاملة كل فرد على أنه مهم - وهو بالفعل كذلك- فلا يوجد إنسان بلا قيمة، وأنت لا تعرف من ستحتاج إليه غدًا، كما أن العالم صغير حقيقة لا مجازًا، وستدهش عندما تكتشف أن كثيرين ممن تعرفهم سيتقلدون مناصب مهمة لم تكن تتوقعها.

* في مجال التعامل مع الآخرين ينبغي أن ننتبه إلى أن أنهم ليسوا نمطًا واحدًا، وفي نفس الوقت مطلوب منا أن نتعامل معهم جميعًا، ومن ثم كان علينا أن نعرف الجهد في تنمية مهارات التعامل معهم بأنماطهم المختلفة، وليس الحكم عليهم وتقييمهم؛ لأننا لن نعدم أن نجد بعض نقاط التميز حتى في الشخصيات التي نختلف معها.

وفي حديث السيدة خديجة جعلت من صفات الرسول شخصية مجمعة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت