كلمات ينبغي أن تكتب بماء الذهب، ونور لا يخرج إلا من مشكاة النبوة إنها دعوة لإرشاد النفس إلى طريق الخير دعوة امتزجت بكل الإخلاص بعيدة عن الهتافات والشعارات الجوفاء التي خالطها الرياء فلم يبق فيها من الخير شيئًا.
[خير الناس ذو القلب المحموم واللسان الصادق]
فالقلب العامر بنور الإيمان هو المعيار الأساسي للتقوى قال صلى الله عليه وسلم (التقوى هاهنا التقوى هاهنا …وأشار إلى صدره) (2) فأمر الإيمان ليس بكثرة الأعمال الظاهرة ولكن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل (ألا وإن في الجسد مضغه إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) (3)
لذلك كان صلاح القلوب بالطاعات الشغل الشاغل للمؤمنين الصادقين.
قال إبراهيم الخواص: (دواء القلب في خمسة أشياء قراءة القرآن بالتدبر وخلاء البطن وقيام الليل والتضرع عند السحر ومجالسه الصالحين) (4) . والذنوب للقلب بمنزلة السموم إن لم تهلكه أضعفته ولابد، والضعيف لا يقوي علي مقاومة العوارض ، قال ذو النون المصري: [سقم الجسد في الأوجاع وسقم القلوب في الذنوب فكما لا يجد الجسد لذة الطعام عند سقمه كذلك لا يجد القلب حلاوة العبادة مع الذنوب ] (4)
والقلوب الفارغة من طاعة الله موكله بالشهوات التي هي سبب هلكتها وموتها .
كيف الرحيل بلا زاد إلى وطن *** ما ينفع المرء فيه غير تقواه
من لم يكن زاده التقوى فليس له *** يوم القيامة عذر عند مولاه
[قيل ما القلب المحموم (5) ؟ قال هو التقي النقي الذي لا إثم فيه ولا بغي ولا حسد]
إنه القلب الخالي من آفات وأمراض القلوب كالبغي والغل والحقد والحسد… فهو القلب السليم التقي النقي الذي لا يفلح ولا ينجو يوم القيامة إلا صاحبه قال تعالى [يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم] (الشعراء 88-89) ، وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال كنا جلوسًا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلع رجل من الأنصار ينظف لحيته من وضوئه قد تعلق نعليه في يده الشمال فلما كان الغد قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك فطلع ذلك الرجل مثل المرة الأولى فلما كان اليوم الثالث قال النبي صلى الله عليه وسلم مثل مقالته أيضًا فطلع ذلك الرجل على مثل حاله الأولى فلما قام النبي صلى الله عليه وسلم تبعه عبد الله بن عمرو بن العاص فقال إني لاحيت أبي فأقسمت أن لا أدخل عليه ثلاثا فإن رأيت أن تؤويني إليك حتى تمضي فعلت قال نعم قال أنس وكان عبد الله يحدث أنه بات معه تلك الليالي الثلاث فلم يره يقوم من الليل شيئًا غير أنه إذا تعار وتقلب على فراشه ذكر الله عز وجل وكبر حتى يقوم لصلاة الفجر قال عبد الله غير أني لم أسمعه يقول إلا خيرًا فلما مضت الثلاث ليال وكدت أن أحتقر عمله قلت يا عبد الله إني لم يكن بيني وبين أبي غضب ولا هجر ثم ولكن سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لك ثلاث مرات يطلع عليكم الآن رجل من أهل الجنة فطلعت أنت الثلاث مرات فأردت أن آوي إليك لأنظر ما عملك فأقتدي به فلم أرك تعمل كثير عمل فما الذي بلغ بك ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ما هو إلا ما رأيت قال فلما وليت دعاني فقال ما هو إلا ما رأيت غير أني لا أجد في نفسي لأحد من المسلمين غشا ولا أحسد أحدا على خير أعطاه الله إياه فقال عبد الله هذه التي بلغت بك وهي التي لا نطيق (6) .
[خير الناس ذو القلب المحموم و اللسان الصادق]
قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) (التوبة 119) وفي الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الصدق يهدى إلى البر وإن البر يهدى إلى الجنة وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقًا وإن الكذب يهدى إلى الفجور وإن الفجور يهدى إلى النار وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابًا) (7)
قال أحد الحكماء: من طلب الله بالصدق أعطاه مرآة يبصر فيها الحق والباطل. وقيل إن ربعي بن حراش لم يكذب كذبه قط وكان له ابنان عاصيان على الحجاج فطلبهما فلم يعثر عليهما فقيل للحجاج: إن أباهما لم يكذب كذبه قط لو أرسلت إليه فسألته عنهما فاستدعى أباهما فقال: أين أبناؤك؟ قال هما في البيت فأستغرب الحجاج وقال لأبيهما: ما حملك على هذا وأنا أريد قتلهما فقال: لقد كرهت أن ألقى الله تعالى بكذبه فقال الحجاج قد عفونا عنهما بصدقك ...، ذاك والله الصدق الحق الذي يصفه الجنيد بقوله (حقيقة الصدق أن تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب) (8)
والصدق إنما يحسن إذا تعلق به نفع ولا يلحق ضرره بأحد فمن المعلوم قبح الغيبة والنميمة والسعاية وإن كانتا صدقًا ولذلك قيل كفى بالسعاية والغيبة والنميمة ذمًا أن الصدق يقبح فيهما.
[قيل فمن على أثره؟ قال الذي يشنأ الدنيا و يحب الآخرة]