أرأيت ظلما أبشع من هذا الظلم، وتنكرا لقيم الحق والعدل والإنصاف أمعن في الضلال والتضليل والخداع أعتى مكرا من هذا الذي يقع تحت سمع العالم وبصره، وعلى مرأى منه، بل وحماية من الأمم المتحدة للعدوان على شعب مسلم يريد أن يعيش حرا على أرضه آمنا في سربه.
هؤلاء المسلمون الذين يواجهون كل هذا العدوان على القيم الإنسانية هم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، الذي رد للإنسان كرامته، وحفظ عليه إنسانيته، ونادى بحقه في الحرية والحياة الكريمة، وكم عمل جاهدا حتى يحقق للضعفاء أمنا وسلاما نعموا بهما، وذاقوا طعم الحياة الكريمة في ظل القيم والمبادئ التي أرسى الإسلام قواعدها ولله در أمير الشعراء أحمد شوقي حين يقول:
يا من له الأخلاق ما تهوى العلا***منه وما يتعشق الكبراء
لو لم تقم دينا لقامت وحدهادينا تضيء بنوره الآلاء
زانتك في الخلق العظيم شمائل***يغرى بهن ويولع الكرماء
أنصفت أهل الفقر من أهل الغنى***فالكل في حق الحياة سواء
فلو أن إنسانا تخير ملةما اختار إلا دينك الفقراء
الحق في الحياة
هذه اللمحة النورانية التي حبا الله بها نبيه صلى الله عليه وسلم ردت الكرامة الإنسانية على قوم أفقدهم الظلم إياها، وسلبهم نعمتها، وأعادت إليهم الإحساس بقيمتهم وحقهم في الحياة الحرة الكريمة التي لا تعرف تمييزًا بين البشر بسبب جنس أو لون أو لغة، فالناس كلهم لآدم وآدم من تراب.
لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلى بالتقوى والعمل الصالح، وإن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، والتقوى والأعمال النافعة للأمم والأفراد هي مناط التقدم عند الله سبحانه {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ} الحجرات: آية 13.
والله وحده هو الذي تخضع له الرقاب، وتعنو له الجباه، والناس جميعا أمام الحق سواء.
الله فوق الخلق فيها وحده***والناس تحت لوائها أكفاء
ولذلك كان الرسول صلى الله عليه وسلم لا يسمح لنزعة التعالي والعنصرية أن يذر قرنها، بل كان يواجهها بكل حزم حتى يقتلعها من جذورها، ولذلك لما سمع أبا ذر يعير آخر بسواد أمه بدا عليه الغضب الشديد، وقال له مقرعا ومعبرا عن ضيقه بهذه النزعة المقيتة: طف الصاع طف الصاع، إنك امرؤ فيك جاهلية، ليس لابن البيضاء على ابن السوداء فضل، ونزل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالألْقَابِ بِئْسَ الاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} الحجرات: آية 11.
نزعة التعالي
ولما طلب بعض الزعماء من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مجلسا خاصا لا يشاركهم فيه الضعفاء والفقراء نزل القرآن ينهى عن الاستجابة لهم، ويطلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصبر نفسه على الجلوس إلى الضعفاء والفقراء، لأن نزعة التعالي هذه يمقتها الإسلام، ويؤكد الأخوة الإنسانية العامة، {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلاَ تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} الكهف: آية 28.
كانت حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم نموذجا فذا في التاريخ الإنساني كله، لم تعرف الدنيا مثلا فريدا في سمو الخلق واستقامة السلوك وحسن المعاملة كما عرفت من سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، التي فاضت بها الأخبار، ورواها من خالطه وتعامل معه وسجلتها كتب السير على ألسنتهم إعجابا بما رأوا، وما لمسوه من نبل الأخلاق، وكرم المعاملة، ولا غرو في ذلك، فالله سبحانه قد أثنى عليه في كتابه الكريم بقوله: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} القلم: آية 4، ووصفه بالرحمة ولين الجانب والتواضع، والبعد عن الجفوة والخشونة بقوله: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ} آل عمران: آية 159.
دعوى للطهر والنقاء
وإن الدارس لحياة النبي صلى الله عليه وسلم حينما يجد هذه العظمة التي لم تعرف البشرية لها مثيلا، والتي كانت سمة واضحة تبدو جلية في كل تصرفاته وأقواله وأفعاله، حينما يرى ذلك يتساءل من أين اكتسب -صلوات الله وسلامه عليه- هذه الشمائل المضيئة؟، هل جاءته من البيئة المحيطة به، والتي نشأ فيها؟ وهل ورثها وتلقاها عن والديه؟.