فهرس الكتاب

الصفحة 578 من 3657

ثُمّ مَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتّى مَرّ بِخَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّة وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبِي بِفَنَاءِ الْخَيْمَةِ ثُمّ تُطْعِمُ وَتَسْقِي مَنْ مَرّ بِهَا فَسَأَلَاهَا: هَلْ عِنْدَهَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ وَاَللّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمْ الْقِرَى وَالشّاءُ عَازِبٌ وَكَانَتْ مُسِنّةً شَهْبَاءَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ مَا هَذِهِ الشّاةُ يَا أُمّ مَعْبَدٍ ؟ قَالَتْ شَاةٌ خَلّفَهَا الْجَهْدُ عَنْ الْغَنَمِ فَقَالَ هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَتْ هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا ؟ قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي وَأُمّي إنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا فَمَسَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا وَسَمّى اللّهَ وَدَعَا فَتَفَاجّتْ عَلَيْهِ وَدَرّتْ فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ حَتّى عَلَتْهُ الرّغْوَةُ فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتّى رَوَيْت وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتّى رَوَوْا ثُمّ شَرِبَ وَحَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا حَتّى مَلَأَ الْإِنَاءَ ثُمّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا فَارْتَحَلُوا فَقَلّمَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكُنّ هُزَالًا لَا نِقْيَ بِهِنّ فَلَمّا رَأَى اللّبَنَ عَجِبَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا وَالشّاةُ عَازِبٌ ؟ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ ؟ فَقَالَتْ لَا وَاَللّهِ إلّا أَنّهُ مَرّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ وَمِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الّذِي تَطْلُبُهُ صِفِيهِ لِي يَا أُمّ مَعْبَدٍ قَالَتْ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخَلْقِ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَة وَلَمْ تُزْرِ بِهِ [ ص 51 ] صُعْلَة وَسِيمٌ قَسِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجّ أَقْرَنُ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ إذَا صَمَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ وَإِنْ تَكَلّمَ عَلَاهُ الْبَهَاءُ أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدّرْنَ رَبْعَةٌ لَا تُقْحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ وَلَا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثّلَاثَةِ مَنْظَرًا وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ وَإِذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ لَا عَابِسٌ وَلَا مُفْنِدٌ فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ وَاَللّهِ هَذَا صَاحِبُ قُرَيْشٍ الّذِي ذَكَرُوا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرُوا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبُهُ وَلَأَفْعَلَنّ إنْ وَجَدْتُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكّةَ عَالِيًا يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ

جَزَى اللّهُ رَبّ الْعَرْشِ خَيْرَ جَزَائِه ِ

رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدٍ

هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ وَارْتَحَلَا بِه

وَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ

فَيَالَقُصَيّ مَا زَوَى اللّهُ عَنْكُمْ

بِهِ مِنْ فَعَالٍ لَا يُجَازَى وَسُودَدِ

لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ

وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ

سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا

فَإِنّكُمْ إنْ تَسْأَلُوا الشّاءَ تَشْهَدِ

[ ص 52 ] قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ: مَا دَرَيْنَا أَيْنَ تَوَجّهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالنّاسَ يَتْبَعُونَهُ وَيَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَاهَا قَالَتْ فَلَمّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ تَوَجّهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ .

فَصْلٌ [ وُصُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت