والاعتراف للجماعة بحقها في ماله في حدود ما فرض الله وما شرع والمنهج يسجل للفرد عمله في هذه الحدود ووفق هذه الاعتبارات عبادة لله يجزيه عليها بالبركة في الدنيا وبالجنة في الآخرة ويربط المنهج بين الفرد وربه رباطا أقوى بالشعائر التعبدية التي يفرضها عليه ; ليستوثق بهذا الرباط من تجدد صلته بالله في اليوم الواحد خمس مرات بالصلاة وفي العام الواحد ثلاثين يوما بصوم رمضان وفي العمر كله بحج بيت الله وفي كل موسم أو في كل عام بإخراج الزكاة ومن هنا قيمة هذه الفرائض التعبدية في المنهج الإسلامي إنها تجديد للعهد مع الله على الارتباط بمنهجه الكلي للحياة وهي قربى لله يتجدد معها العزم على النهوض بتكاليف هذا المنهج الذي ينظم أمر الحياة كلها ويتولى شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم بين الناس في علاقاتهم وفي خلافاتهم ويتجدد معها الشعور بعون الله ومدده على حمل التكاليف التي يتطلبها النهوض بهذا المنهج الكلي المتكامل والتغلب على شهوات الناس وعنادهم وانحرافهم وأهوائهم حين تقف في الطريق وليست هذه الشعائر التعبدية أمورا منفصلة عن شئون العمل والإنتاج والتوزيع والحكم والقضاء والجهاد لإقرار منهج الله في الأرض وتقرير سلطانه في حياة الناس إنما الإيمان والتقوى والشعائر التعبدية شطر المنهج المعين على أداء شطره الآخر وهكذا يكون الإيمان والتقوى وإقامة منهج الله في الحياة العملية سبيلا للوفرة والفيض كما بعد الله الناس في هاتين الآيتين الكريمتين إن التصور الإسلامي وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه لا يقدم الحياة الآخرة بديلا من الحياة الدنيا ولا العكس إنما يقدمهما معا في طريق واحد وبجهد واحد ولكنهما لا يجتمعان كذلك في حياة الإنسان إلا إذا اتبع منهج الله وحده في الحياة دون أن يدخل عليه تعديلات مأخوذة من أوضاع أخرى لم تنبثق من منهج الله أو مأخوذة من تصوراته الذاتية التي لم تضبط بهذا المنهج ففي هذا المنهج وحده يتم ذلك التناسق الكامل والتصور الإسلامي وكذلك المنهج الإسلامي المنبثق منه لا يقدم الإيمان والعبادة والصلاح والتقوى بديلا من العمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة المادية وليس هو المنهج الذي يعد الناس فردوس الآخرة ويرسم لهم طريقه ; بينما يدع الناس أن يرسموا لأنفسهم الطريق المؤدي إلى فردوس الدنيا كما يتصور بعض السطحيين في هذا الزمان فالعمل والإنتاج والتنمية والتحسين في واقع الحياة الدنيا تمثل في التصور الإسلامي والمنهج الإسلامي فريضة الخلافة في الأرض والإيمان والعبادة والصلاح والتقوى تمثل الارتباطات والضوابط والدوافع والحوافز لتحقيق المنهج في حياة الناس وهذه وتلك معا هي مؤهلات الفردوس الأرضي والفردوس الأخروي معا ; والطريق هو الطريق ولا فصام بين الدين والحياة الواقعية المادية كما هو واقع في الأوضاع الجاهلية القائمة في الأرض كلها اليوم والتي منها يقوم في أوهام الواهمين أنه لا مفر من أن يختار الناس الدنيا أو يختاروا الآخرة ولا يجمعوا بينهما في تصور أو في واقع لأنهما لا تجتمعان إن هذا الفصام النكد بين طريق الدنيا وطريق الآخرة في حياة الناس وبين العمل للدنيا والعمل للآخرة وبين العبادة الروحية والإبداع المادي وبين النجاح في الحياة الدنيا والنجاح في الحياة الأخرى إن هذا الفصام النكد ليس ضريبة مفروضة على البشرية بحكم من أحكام القدر الحتمية إنما هو ضريبة بائسه فرضتها البشرية على نفسها وهي تشرد عن منهج الله وتتخذ لنفسها مناهج أخرى من عند أنفسها معادية لمنهج الله في الأساس والاتجاه وهي ضريبة يؤديها الناس من دمائهم وأعصابهم في الحياة الدنيا فوق ما يؤدونه منها في الآخرة وهو أشد وأنكى إنهم يؤدونها قلقا وحيرة وشقاء قلب وبلبلة خاطر من جراء خواء قلوبهم من طمأنينة الإيمان وبشاشته وزاده وريه إذا هم آثروا اطراح الدين كله على زعم أن هذا هو الطريق الوحيد للعمل والإنتاج والعلم والتجربة والنجاح الفردي والجماعي في المعترك العالمي ذلك أنهم في هذه الحالة يصارعون فطرتهم يصارعون الجوعة الفطرية إلى عقيدة تملأ القلب ولا تطيق الفراغ والخواء وهي جوعة لا تملؤها مذاهب اجتماعية أو فلسفية أو فنية على الإطلاق لأنها جوعة النزعة إلى إله وهم يؤدونها كذلك قلقا وحيدة وشقاء قلب وبلبلة خاطر إذا هم حاولوا الاحتفاظ بعقيدة في الله وحاولوا معها مزاولة الحياة في هذا المجتمع العالمي الذي يقوم نظامه كله وتقوم أوضاعة وتقوم تصوراته وتقوم وسائل الكسب فيه ووسائل النجاح على غير منهج الله وتتصادم فيه العقيدة الدينية والخلق الديني والسلوك الديني مع الأوضاع والقوانين والقيم والموازين السائدة في هذا المجتمع المنكود وتعاني البشرية كلها ذلك الشقاء سواء اتبعت المذاهب المادية الإلحادية أو المذاهب المادية التي تحاول استبقاء الدين عقيدة بعيدة عن نطام الحياة العملية وتتصور أو يصور لها أعداء البشرية أن الدين لله وأن