مَكّةَ ، بَلْ إنّمَا كَانَ يُصَلّي بِمَنْزِلِهِ بِ الْأَبْطَحِ بِالْمُسْلِمِينَ مُدّةَ مُقَامِهِ كَانَ يُصَلّي بِهِمْ أَيْنَ نَزَلُوا لَا يُصَلّي فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَنْزِلِ الْعَامّ . الْخَامِسُ أَنّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ . فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحّ مِنْهُ وَكَذَلِك هُوَ فِي إسْنَادِهِ فَإِنّ رُوَاتَهُ أَحْفَظُ وَأَشْهَرُ وَأَتْقَنُ فَأَيْنَ يَقَعُ حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مِنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيّ ، وَأَيْنَ يَقَعُ حِفْظُ جَعْفَرٍ مِنْ حِفْظِ نَافِعٍ ؟ السّادِسُ أَنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ اضْطَرَبَ فِي وَقْتِ طَوَافِهِ فَرُوِيَ عَنْهَا عَلَى [ ص 261 ] طَافَ نَهَارًا ، الثّانِي: أَنّهُ أَخّرَ الطّوَافَ إلَى اللّيْلِ الثّالِثُ أَنّهُ أَفَاضَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ فِيهِ وَقْتَ الْإِفَاضَةِ وَلَا مَكَانَ الصّلَاةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . السّابِعُ أَنّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحّ مِنْهُ بِلَا نِزَاعٍ فَإِنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، وَابْنِ إسْحَاقَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَمْ يُصَرّحْ بِالسّمَاعِ بَلْ عَنْعَنَهُ فَكَيْفَ يُقَدّمُ عَلَى قَوْلِ عُبَيْدِ اللّهِ حَدّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . الثّامِنُ أَنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالْبَيّنِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ ، فَإِنّ لَفْظَهُ هَكَذَا: أَفَاضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيّامِ التّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشّمْسُ كُلّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ . فَأَيْنَ دَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الصّرِيحَةُ عَلَى أَنّهُ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَئِذٍ بِمَكّةَ وَأَيْنَ هَذَا فِي صَرِيحِ الدّلَالَةِ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَفَاضَ يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ صَلّى الظّهْرَ بِمِنًى ، يَعْنِي رَاجِعًا . وَأَيْنَ حَدِيثٌ اتّفَقَ أَصْحَابُ الصّحِيحِ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَى حَدِيثٍ اُخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ ذِكْرُ طَوَافِ أُمّ سَلَمَةَ ]
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَطَافَتْ أُمّ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى بَعِيرِهَا مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَهِيَ شَاكِيَةٌ اسْتَأْذَنَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَذِنَ لَهَا ، وَاحْتَجّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ شَكَوْتُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ"طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ"قَالَتْ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَئِذٍ يُصَلّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ { وَالطّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } وَلَا يَتَبَيّنُ أَنّ هَذَا الطّوَافَ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لِأَنّ [ ص 262 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَتَيْ ذَلِكَ الطّوَافِ بِالطّورِ وَلَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ بِالنّهَارِ بِحَيْثُ تَسْمَعُهُ أُمّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَقَدْ بَيّنَ أَبُو مُحَمّدٍ غَلَطَ مَنْ قَالَ إنّهُ أَخّرَهُ إلَى اللّيْلِ فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ صَحّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْسَلَ بِأُمّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النّحْرِ ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمّ مَضَتْ فَأَفَاضَت فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ طَوَافِهَا يَوْمَ النّحْرِ وَرَاءَ النّاسِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى جَانِبِ الْبَيْتِ يُصَلّي وَيَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ { وَالطّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } ؟ هَذَا مِنْ الْمُحَالِ فَإِنّ هَذِهِ الصّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ وَأُمّا أَنّهَا كَانَتْ يَوْمَ النّحْرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ قَطْعًا ، فَهَذَا مِنْ وَهْمِهِ رَحِمَهُ اللّهُ .
[طَوَافُ عَائِشَةَ ]