فهرس الكتاب

الصفحة 681 من 3657

بَعَثَهَا ، وَقَبْلَ فَرَاغِهَا ، وَمَرّةً بَعْدَ فَرَاغِهَا لِلْوَدَاعِ وَهَذَا مَعَ أَنّهُ وَهْمٌ بَيّنٌ فَإِنّهُ لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يَزِيدُهُ فَتَأَمّلْهُ . الثّانِي: أَنّهُ انْتَقَلَ مِنْ الْمُحَصّبِ إلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ خَوْفَ الْمَشَقّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي التّحْصِيبِ فَلَقِيَتْهُ وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ إلَى مَكّةَ ، وَهُوَ مُصْعَدٌ إلَى الْعَقَبَةِ ، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنْ الْأَوّلِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعَقَبَةِ أَصْلًا ، وَإِنّمَا خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ مِنْ الثّنِيّةِ السّفْلَى بِالِاتّفَاقِ . وَأَيْضًا: فَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْم ٍ أَنّهُ رَجَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَأَمَرَ بِالرّحِيلِ وَهَذَا وَهْمٌ أَيْضًا ، لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ وَدَاعِهِ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَإِنّمَا مَرّ مِنْ فَوْرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ . وَذَكَرَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْمُحَلّقِ عَلَى مَكّةَ بِدَائِرَةٍ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ فَإِنّهُ بَاتَ بِذِي طُوًى ، ثُمّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَيَكُونُ هَذَا الرّجُوعُ مِنْ يَمَانِي مَكّةَ حَتّى تَحْصُلَ الدّائِرَةُ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا جَاءَ نَزَلَ بِذِي طُوًى ، ثُمّ أَتَى مَكّةَ مِنْ كَدَاءٍ ، ثُمّ نَزَلَ بِهِ لَمّا فَرَغَ مِنْ الطّوَافِ ثُمّ لَمّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ النّسُكِ نَزَلَ بِهِ ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ [ ص 270 ] وَأَخَذَ مِنْ يَمِينِهَا حَتّى أَتَى الْمُحَصّبَ ، وَيَحْمِلُ أَمْرَهُ بِالرّحِيلِ ثَانِيًا عَلَى أَنّهُ لَقِيَ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُحَصّبِ قَوْمًا لَمْ يُرَحّلُوا ، فَأَمَرَهُمْ بِالرّحِيلِ وَتَوَجّهَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إلَى الْمَدِينَةِ . وَلَقَدْ شَانَ أَبُو مُحَمّدٍ نَفْسَهُ وَكِتَابَهُ بِهَذَا الْهَذَيَانِ الْبَارِدِ السّمِجِ الّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ وَلَوْلَا التّنْبِيهُ عَلَى أَغْلَاطِ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَرَغِبْنَا عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ . وَاَلّذِي كَأَنّك تَرَاهُ مِنْ فِعْلِهِ أَنّهُ نَزَلَ بِالْمُحَصّبِ وَصَلّى بِهِ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ثُمّ نَهَضَ إلَى مَكّةَ ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْلًا ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا إلَى الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَلَا دَارَ دَائِرَةً فَفِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيّ": عَنْ أَنَسٍ ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصّبِ ثُمّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ وَفِي"الصّحِيحَيْنِ": عَنْ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ ثُمّ قَالَتْ حِينَ قَضَى اللّهُ الْحَجّ وَنَفَرْنَا مِنْ مِنًى ، فَنَزَلْنَا بِالْمُحَصّبِ فَدَعَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ"اُخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ ، ثُمّ اُفْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا ، ثُمّ ائِتيَانِي هَا هُنَا بِالْمُحَصّبِ". قَالَتْ فَقَضَى اللّهُ الْعُمْرَةَ وَفَرَغْنَا مِنْ طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُحَصّبِ . فَقَالَ فَرْغْتُمَا ؟ قُلْنَا: نَعَمْ . فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَمَرّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ ثُمّ ارْتَحَلَ مُتَوَجّهًا إلَى الْمَدِينَةِ فَهَذَا مِنْ أَصَحّ حَدِيثٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَدَلّهِ عَلَى فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ التّقْدِيرَاتِ الّتِي لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنّ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .

[ هَلْ التّحْصِيبُ سُنّةٌ ؟ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت