فَإِنْ قِيلَ فَمَا حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهَلْ الْوِصَالُ جَائِزٌ أَوْ مُحَرّمٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ؟ قِيلَ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . أَحَدُهَا: أَنّهُ جَائِزٌ إنْ قَدَرَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ وَغَيْرِهِ مِنْ السّلَفِ وَكَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ يُوَاصِلُ الْأَيّامَ وَمِنْ حُجّةِ أَرْبَابِ هَذَا الْقَوْلِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاصَلَ بِالصّحَابَةِ مَعَ نَهْيِهِ لَهُمْ عَنْ الْوِصَالِ كَمَا فِي"الصّحِيحَيْنِ"مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّهُ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ وَقَالَ إنّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ فَلَمّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمّ يَوْمًا فَهَذَا وِصَالُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ الْوِصَالِ وَلَوْ كَانَ النّهْيُ لِلتّحْرِيمِ لَمَا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَلَمَا أَقَرّهُمْ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالُوا: فَلَمّا فَعَلُوهُ بَعْدَ نَهْيِهِ وَهُوَ يَعْلَمُ وَيُقِرّهُمْ عُلِمَ أَنّهُ أَرَادَ الرّحْمَةَ بِهِمْ وَالتّخْفِيفَ عَنْهُمْ [ ص 34 ] قَالَتْ عَائِشَةُ: نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: لَا يَجُوزُ الْوِصَالُ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشّافِعِيّ وَالثّوْرِيّ رَحِمَهُمْ اللّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ: وَقَدْ حَكَاهُ عَنْهُمْ إنّهُمْ لَمْ يُجِيزُوهُ لِأَحَدِ قُلْت: الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ نَصّ عَلَى كَرَاهَتِهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ هَلْ هِيَ كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ وَاحْتَجّ الْمُحَرّمُونَ بِنَهْيِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا: وَالنّهْيُ يَقْتَضِي التّحْرِيمَ . قَالُوا: وَقَوْلُ عَائِشَةَ:"رَحْمَةً لَهُمْ"لَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ لِلتّحْرِيمِ بَلْ يُؤَكّدُهُ فَإِنّ مِنْ رَحْمَتِهِ بِهِمْ أَنْ حَرّمَهُ عَلَيْهِمْ بَلْ سَائِرُ مَنَاهِيهِ لِلْأُمّةِ رَحْمَةٌ وَحِمْيَةٌ وَصِيَانَةٌ . قَالُوا: وَأَمّا مُوَاصَلَتُهُ بِهِمْ بَعْدَ نَهْيِهِ فَلَمْ يَكُنْ تَقْرِيرًا لَهُمْ كَيْفَ وَقَدْ نَهَاهُمْ وَلَكِنْ تَقْرِيعًا وَتَنْكِيلًا فَاحْتَمَلَ مِنْهُمْ الْوِصَالَ بَعْدَ نَهْيِهِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةِ النّهْيِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ وَبَيَانِ الْحِكْمَةِ فِي نَهْيِهِمْ عَنْهُ بِظُهُورِ الْمَفْسَدَةِ الّتِي نَهَاهُمْ لِأَجْلِهَا فَإِذَا ظَهَرَتْ لَهُمْ مَفْسَدَةُ الْوِصَالِ وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ النّهْيِ عَنْهُ كَانَ ذَلِكَ أَدْعَى إلَى قَبُولِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لَهُ فَإِنّهُمْ إذَا ظَهَرَ لَهُمْ مَا فِي الْوِصَالِ وَأَحَسّوا مِنْهُ الْمَلَلَ فِي الْعِبَادَةِ وَالتّقْصِيرِ فِيمَا هُوَ أَهَمّ وَأَرْجَحُ مِنْ وَظَائِفِ الدّينِ مِنْ الْقُوّةِ فِي أَمْرِ اللّهِ وَالْخُشُوعِ فِي فَرَائِضِهِ وَالْإِتْيَانِ بِحُقُوقِهَا الظّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَالْجُوعُ الشّدِيدُ يُنَافِي ذَلِكَ وَيَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُ تَبَيّنَ لَهُمْ حِكْمَةُ النّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ وَالْمَفْسَدَةِ الّتِي فِيهِ لَهُمْ دُونَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا: وَلَيْسَ إقْرَارُهُ لَهُمْ عَلَى الْوِصَالِ لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ بِأَعْظَمَ مِنْ إقْرَارِ الْأَعْرَابِيّ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَصْلَحَةِ التّأْلِيفِ وَلِئَلّا يُنَفّرَ عَنْ الْإِسْلَامِ وَلَا بِأَعْظَمِ مِنْ إقْرَارِهِ [ ص 35 ] أَخْبَرَهُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهَا لَيْسَتْ بِصَلَاةِ وَأَنّ فَاعِلَهَا غَيْرُ مُصَلّ بَلْ هِيَ صَلَاةٌ بَاطِلَةٌ فِي دِينِهِ فَأَقَرّهُ عَلَيْهَا لِمَصْلَحَةِ تَعْلِيمِهِ وَقَبُولِهِ بَعْدَ الْفَرَاغِ فَإِنّهُ أَبْلَغُ فِي التّعْلِيمِ وَالتّعَلّمِ قَالُوا: وَقَدْ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ . قَالُوا: وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ الْوِصَالَ مِنْ خَصَائِصِهِ . فَقَالَ إنّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ وَلَوْ كَانَ مُبَاحًا لَهُمْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَصَائِصِهِ . قَالُوا: وَفِي"الصّحِيحَيْنِ"مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَقْبَلَ اللّيْلُ مِنْ هَاهُنَا وَأَدْبَرَ النّهَارُ مِنْ هَاهُنَا وَغَرَبَتْ الشّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرَ الصّائِمُ وَفِي"الصّحِيحَيْنِ"نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ