* قال الله تعالى: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } قال أبو بكر قد اقتضى ظاهره وجوب القتل لا غير إلا بعد الإثخان . وهو نظير قوله تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } ( وهذا صحيح فليس بين النصين خلاف ) .
* حدثنا محمد بن جعفر بن محمد بن الحكم قال: حدثنا جعفر بن محمد بن اليمان . قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا عبد الله بن صالح ، عن معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة . عن ابن عباس في قوله تعالى: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } قال: ذلك يوم بدر والمسلمون يومئذ قليل ، فلما كثروا واشتد سلطانهم أنزل الله تعالى بعد هذا في الأسارى: { فإما منًّا بعد وإما فداء } . . فجعل الله النبي والمؤمنين في الأسارى بالخيار . إن شاءوا قتلوهم ، وإن شاءوا استعبدوهم ، وإن شاءوا فادوهم . شك أبو عبيد في . . وإن شاءوا استعبدوهم . . ( والاستعباد مشكوك في صدور القول به عن ابن عباس فنتركه . وأما جواز القتل فلا نرى له سندًا في الآية وإنما نصها المن أو الفداء ) .
* وحدثنا جعفر بن محمد قال: حدثنا أبو عبيد ، قال: حدثنا أبو مهدي وحجاج ، كلاهما عن سفيان . قال: سمعت السدي يقول في قوله: { فإما منًّا بعد وإما فداء } . . قال: هي منسوخة ، نسخها قوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } قال أبو بكر: أما قوله: { فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب } . . وقوله: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض } . وقوله: { فإما تثقفنَّهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم }
فإنه جائز أن يكون حكمًا ثابتًا غير منسوخ . وذلك لأن الله تعالى أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالإثخان في القتل وحظر عليه الأسر - إلا بعد إذلال المشركين وقمعهم - وكان ذلك وقت قلة عدد المسلمين وكثرة عدد عدوهم من المشركين ، فمتى أثخن المشركون وأذلوا بالقتل والتشريد جاز الاستبقاء . فالواجب أن يكون هذا حكمًا ثابتًا إذا وجد مثل الحال التي كان عليها المسلمون في أول الإسلام . ( ونقول: إن الأمر بقتل المشركين حيث وجدوا خاص بمشركي الجزيرة . بينما النص في سورة محمد عام . فمتى تحقق الإثخان في الأرض جاز أخذ الأسارى . وهذا ما جرى عليه الخلفاء بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبعد نزول سورة براءة بطبيعة الحال ، ولم يقتلوهم إلا في حالات معينة سيأتي بيانها ) . .
* وأما قوله: { فإما منًّا بعد وإما فداء } . . ظاهره يقتضي أحد شيئين: من أو فداء . وذلك ينفي جواز القتل . وقد اختلف السلف في ذلك . حدثنا حجاج عن مبارك بن فضالة عن الحسن أنه كره قتل الأسير ، وقال: منّ عليه أو فاده . وحدثنا جعفر قال: حدثنا أبو عبيد قال: أخبرنا هشيم . قال: أخبرنا أشعث قال: سألت عطاء عن قتل الأسير فقال: منّ عليه أو فاده قال: وسألت الحسن . قال: يصنع به ما صنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأسارى بدر ، يمن عليه أو يفادي به . وروي عن ابن عمر أنه دفع إليه عظيم من عظماء اصطخر ليقتله ، فأبى أن يقتله ، وتلا قوله: { فإما منًّا بعد وإما فداء } . . وروي أيضًا عن مجاهد ومحمد بن سيرين كراهة قتل الأسير . وقد روينا عن السدي أن قوله: { فإما منًّا بعد وإما فداء } منسوخ بقوله: { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } وروي مثله عن ابن جريج . حدثنا جعفر قال: حدثنا أبو عبيد قال: حدثنا حجاج ، عن ابن جريج ، قال: هي منسوخة . وقال: قتل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عقبة ابن أبي معيط يوم بدر صبرًا ، قال أبو بكر: اتفق فقهاء الأمصار على جواز قتل الأسير لا نعلم بينهم خلافًا فيه ، وقد تواترت الأخبار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتله الأسير ، منها قتله عقبة بن أبي معيط ، والنضر بن الحارث بعد الأسر يوم بدر . وقتل يوم أحد أبا عزة الشاعر بعدما أسر . وقتل بني قريظة بعد نزولهم على حكم سعد بن معاذ ، فحكم فيهم بالقتل وسبي الذرية . ومنَّ على الزبير بن باطا من بينهم ، وفتح خيبر بعضها صلحًا وبعضها عنوة ، وشرط على ابن أبي الحقيق ألا يكتم شيئًا ، فلما ظهر على خيانته وكتمانه قتله . وفتح مكة وأمر بقتل هلال بن خطل ، ومقيس بن حبابة ، وعبد الله بن أبي سرح ، وآخرين ، وقال: