وَكَانَ يُصَلّي عَامّةَ السّنَنِ وَالتّطَوّعَ الّذِي لَا سَبَبَ لَهُ فِي بَيْتِهِ لَا سِيّمَا سُنّةَ الْمَغْرِبِ فَإِنّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنّهُ فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْبَتّةَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ السّنّةُ أَنْ يُصَلّيَ الرّجُلُ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ كَذَا رُوِيَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ السّائِبُ بْنُ يَزِيدَ: لَقَدْ رَأَيْتُ النّاسَ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ إذَا انْصَرَفُوا مِنْ الْمَغْرِبِ انْصَرَفُوا جَمِيعًا حَتّى لَا يَبْقَى فِي الْمَسْجِدِ أَحَدٌ كَأَنّهُمْ لَا يُصَلّونَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ حَتّى يَصِيرُوا إلَى [ ص 303 ] أَهْلِيهِمْ انْتَهَى كَلَامُهُ . فَإِنْ صَلّى الرّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ فَهَلْ يُجْزِئُ عَنْهُ وَتَقَعُ مَوْقِعُهَا ؟ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللّهِ أَنّهُ قَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ سَمّاهُ أَنّهُ قَالَ لَوْ أَنّ رَجُلًا صَلّى الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ مَا أَجْزَأَهُ ؟ فَقَالَ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ هَذَا الرّجُلُ وَمَا أَجْوَدَ مَا انْتَزَعَ قَالَ أَبُو حَفْصٍ وَوَجْهُهُ أَمْرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهَذِهِ الصّلَاةِ فِي الْبُيُوتِ . وَقَالَ الْمَرْوَزِيّ: مَنْ صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ يَكُونُ عَاصِيًا قَالَ مَا أَعْرِفُ هَذَا قُلْتُ لَهُ يُحْكَى عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنّهُ قَالَ هُوَ عَاصٍ . قَالَ لَعَلّهُ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اجْعَلُوهَا فِي بُيُوتِكُم قَالَ أَبُو حَفْصٍ وَوَجْهُهُ أَنّهُ لَوْ صَلّى الْفَرْضَ فِي الْبَيْتِ وَتَرَكَ الْمَسْجِدَ أَجْزَأَهُ فَكَذَلِكَ السّنّةُ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَلَيْسَ هَذَا وَجْهَهُ عِنْدَ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ وَإِنّمَا وَجْهُهُ أَنّ السّنَنَ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا مَكَانٌ مُعَيّنٌ وَلَا جَمَاعَةٌ فَيَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَفِي سُنّةِ الْمَغْرِبِ سُنّتَانِ إحْدَاهُمَا: أَنّهُ لَا يُفْصَلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ بِكَلَامٍ قَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيّ وَالْمَرْوَزِيّ: يُسْتَحَبّ أَلّا يَكُونَ قَبْلَ الرّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ إلَى أَنْ يُصَلّيَهُمَا كَلَامٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمّدٍ: رَأَيْت أَحْمَدَ إذَا سَلّمَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ قَامَ وَلَمْ يَتَكَلّمْ وَلَمْ يَرْكَعْ فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الدّارَ قَالَ أَبُو حَفْصٍ وَوَجْهُهُ قَوْلُ مَكْحُولٍ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ صَلّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلّمَ رُفِعَتْ صَلَاتُهُ فِي عِلّيّين [ ص 304 ] وَالسّنّةُ الثّانِيَةُ أَنْ تَفْعَلَ فِي الْبَيْتِ فَقَدْ رَوَى النّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجَرَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَى مَسْجِدَ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَصَلّى فِيهِ الْمَغْرِبَ فَلَمّا قَضَوْا صَلَاتَهُمْ رَآهُمْ يُسَبّحُونَ بَعْدَهَا فَقَالَ هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوت وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَقَالَ فِيهَا: ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُم وَالْمَقْصُودُ أَنّ هَدْيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِعْلُ عَامّةِ السّنَنِ وَالتّطَوّعِ فِي بَيْتِهِ . كَمَا فِي الصّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ حَفِظْتُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصّبْح
[ لَمْ يَكُنْ يُصَلّي فِي السّفَرِ مِنْ السّنَنِ إلّا سُنّتَيْ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ ]