فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 3657

وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيّ الصّلَاتَيْنِ آكَدُ سُنّةُ الْفَجْرِ أَوْ الْوِتْرِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَلَا يُمْكِنُ التّرْجِيحُ بِاخْتِلَافِ الْفُقَهَاءِ فِي وُجُوبِ الْوِتْرِ فَقَدْ اخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وُجُوبِ سُنّةِ الْفَجْرِ وَسَمِعْت شَيْخَ الْإِسْلَامِ ابْنَ تيمية يَقُولُ سُنّةُ الْفَجْرِ تَجْرِي مَجْرَى بِدَايَةِ الْعَمَلِ وَالْوِتْرُ خَاتِمَتَهُ . وَلِذَلِكَ كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُصَلّي سُنّةَ الْفَجْرِ وَالْوِتْرِ بِسُورَتَيْ الْإِخْلَاصِ وَهُمَا الْجَامِعَتَانِ لِتَوْحِيدِ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ وَتَوْحِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَالْإِرَادَةِ وَتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْقَصْدِ انْتَهَى . تَوْضِيحٌ لِمَعْنَى: سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَالزّلْزَلَةِ نِصْفَهُ وَالْكَافِرُونَ رُبُعَهُ فَسُورَةُ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } مُتَضَمّنَةٌ لِتَوْحِيدِ الِاعْتِقَادِ وَالْمَعْرِفَةِ وَمَا يَجِبُ إثْبَاتُهُ لِلرّبّ تَعَالَى مِنْ الْأَحَدِيّةِ الْمُنَافِيَةِ لِمُطْلَقِ الْمُشَارَكَةِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَالصّمَدِيّةِ الْمُثْبِتَةِ لَهُ جَمِيعَ صِفَاتِ الْكَمَالِ الّتِي لَا يَلْحَقُهَا نَقْصٌ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ وَنَفْيِ الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ الّذِي هُوَ مِنْ لَوَازِمِ الصّمَدِيّةِ وَغِنَاهُ وَأَحَدِيّتِهِ وَنَفْيِ الْكُفْءِ الْمُتَضَمّنِ لِنَفْيِ التّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَالتّنْظِيرِ فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ السّورَةُ إثْبَاتَ كُلّ كَمَالٍ لَهُ وَنَفْيَ كُلّ نَقْصٍ عَنْهُ وَنَفْيَ إثْبَاتِ شَبِيهٍ أَوْ مَثِيلٍ لَهُ فِي كَمَالِهِ وَنَفْيَ مُطْلَقِ الشّرِيكِ عَنْهُ وَهَذِهِ الْأُصُولُ هِيَ مَجَامِعُ التّوْحِيدِ الْعِلْمِيّ الِاعْتِقَادِيّ الّذِي يُبَايِنُ صَاحِبُهُ جَمِيعَ فِرَقِ الضّلَالِ وَالشّرْكِ وَلِذَلِكَ كَانَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَإِنّ الْقُرْآنَ مَدَارُهُ عَلَى الْخَبَرِ وَالْإِنْشَاءِ وَالْإِنْشَاءُ ثَلَاثَةٌ أَمْرٌ وَنَهْيٌ وَإِبَاحَةٌ . وَالْخَبَرُ نَوْعَانِ خَبَرٌ عَنْ الْخَالِقِ تَعَالَى وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَخَبَرٌ عَنْ خَلْقِهِ . فَأَخْلَصَتْ سُورَةُ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } الْخَبَرَ عَنْهُ وَعَنْ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ فَعَدَلَتْ ثُلُثَ الْقُرْآنِ وَخَلّصَتْ قَارِئَهَا الْمُؤْمِنَ بِهَا مِنْ الشّرْكِ الْعِلْمِيّ كَمَا خَلّصَتْ سُورَةُ { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } مِنْ الشّرْكِ الْعَمَلِيّ الْإِرَادِيّ الْقَصْدِيّ . وَلَمّا كَانَ الْعِلْمُ قَبْلَ الْعَمَلِ وَهُوَ إمَامُهُ وَقَائِدُهُ وَسَائِقُهُ وَالْحَاكِمُ عَلَيْهِ وَمُنْزِلُهُ مَنَازِلَهُ كَانَتْ سُورَةُ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ . وَالْأَحَادِيثُ بِذَلِكَ تَكَادُ تَبْلُغُ مَبْلَغَ التّوَاتُرِ و { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثُ بِذَلِكَ فِي التّرْمِذِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا [ ص 307 ] { إِذَا زُلْزِلَتِ } تَعْدِلُ نِصْفَ الْقُرْآن وَ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنَ وَ { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } تَعْدِلُ رُبُعَ الْقُرْآنِ". رَوَاهُ الْحَاكِم فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَلَمّا كَانَ الشّرْكُ الْعَمَلِيّ الْإِرَادِيّ أَغْلَبَ عَلَى النّفُوسِ لِأَجْلِ مُتَابَعَتِهَا هَوَاهَا وَكَثِيرٌ مِنْهَا تَرْتَكِبُهُ مَعَ عِلْمِهَا بِمَضَرّتِهِ وَبُطْلَانِهِ لِمَا لَهَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ الْأَغْرَاضِ وَإِزَالَتِهِ وَقَلْعِهِ مِنْهَا أَصْعَبُ وَأَشَدّ مِنْ قَلْعِ الشّرْكِ الْعِلْمِيّ وَإِزَالَتِهِ لِأَنّ هَذَا يَزُولُ بِالْعِلْمِ وَالْحُجّةِ وَلَا يُمْكِنُ صَاحِبُهُ أَنْ يَعْلَمَ الشّيْءَ عَلَى غَيْرِ مَا هُوَ عَلَيْهِ بِخِلَافِ شِرْكِ الْإِرَادَةِ وَالْقَصْدِ فَإِنّ صَاحِبَهُ يَرْتَكِبُ مَا يَدُلّهُ الْعِلْمُ عَلَى بُطْلَانِهِ وَضَرَرِهِ لِأَجْلِ غَلَبَةِ هَوَاهُ وَاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الشّهْوَةِ وَالْغَضَبِ عَلَى نَفْسِهِ فَجَاءَ مِنْ التّأْكِيدِ وَالتّكْرَارِ فِي سُورَةِ { قُلْ يَا أَيّهَا الْكَافِرُونَ } الْمُتَضَمّنَةِ لِإِزَالَةِ الشّرْكِ الْعَمَلِيّ مَا لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي سُورَةِ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } وَلَمّا كَانَ الْقُرْآنُ شَطْرَيْنِ شَطْرًا فِي الدّنْيَا وَأَحْكَامِهَا وَمُتَعَلّقَاتهَا وَالْأُمُورِ الْوَاقِعَةِ فِيهَا مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلّفِينَ وَغَيْرِهَا وَشَطْرًا فِي الْآخِرَةِ وَمَا يَقَعُ فِيهَا وَكَانَتْ سُورَةُ { إِذَا زُلْزِلَتِ } قَدْ أُخْلِصَتْ مِنْ أَوّلِهَا وَآخِرِهَا لِهَذَا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت