وَإِنّمَا اخْتَارَ الْإِمَامُ أَحْمَد ُ هَذَا لِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ قَدْ ذَكَرْتُهَا فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى . مِنْهَا جَهْرُ عُمَرَ بِهِ يُعَلّمُهُ الصّحَابَةَ . وَمِنْهَا اشْتِمَالُهُ عَلَى أَفْضَلِ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ فَإِنّ أَفْضَلَ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَاَللّهُ أَكْبَرُ وَقَدْ تَضَمّنَهَا هَذَا الِاسْتِفْتَاحُ مَعَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ . وَمِنْهَا أَنّهُ اسْتِفْتَاحٌ أَخْلَصُ لِلثّنَاءِ عَلَى اللّهِ وَغَيْرُهُ مُتَضَمّنٌ لِلدّعَاءِ وَالثّنَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الدّعَاءِ وَلِهَذَا كَانَتْ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ [ ص 199 ] تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَالثّنَاءِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ"سُبْحَانَ اللّهِ وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَاَللّهُ أَكْبَرُ"أَفْضَلُ الْكَلَامِ بَعْدَ الْقُرْآنِ فَيَلْزَمُ أَنّ مَا تَضَمّنَهَا مِنْ الِاسْتِفْتَاحَاتِ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الِاسْتِفْتَاحَاتِ . وَمِنْهَا أَنّ غَيْرَهُ مِنْ الِاسْتِفْتَاحَاتِ عَامّتُهَا إنّمَا هِيَ فِي قِيَامِ اللّيْلِ فِي النّافِلَةِ وَهَذَا كَانَ عُمَرُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلّمُهُ النّاسَ فِي الْفَرْضِ . وَمِنْهَا أَنّ هَذَا الِاسْتِفْتَاحَ إنْشَاءٌ لِلثّنَاءِ عَلَى الرّبّ تَعَالَى مُتَضَمّنٌ لِلْإِخْبَارِ عَنْ صِفَاتِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ وَالِاسْتِفْتَاحُ بِ"وَجّهْت وَجْهِيَ"إخْبَارٌ عَنْ عُبُودِيّةِ الْعَبْدِ وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا . وَمِنْهَا أَنّ مَنْ اخْتَارَ الِاسْتِفْتَاحَ بِ"وَجّهْت وَجْهِيَ"لَا يُكْمِلُهُ وَإِنّمَا يَأْخُذُ بِقِطْعَةٍ مِنْ الْحَدِيثِ وَيَذَرُ بَاقِيَهُ بِخِلَافِ الِاسْتِفْتَاحِ بِ سُبْحَانِك اللّهُمّ وَبِحَمْدِك فَإِنّ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ يَقُولُهُ كُلّهُ إلَى آخِرِهِ .
وَكَانَ يَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ ثُمّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَة وَكَانَ يَجْهَرُ بِبِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ تَارَةً وَيُخْفِيهَا أَكْثَرَ مِمّا يَجْهَرُ بِهَا [ ص 200 ] دَائِمًا فِي كُلّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَمْسَ مَرّاتٍ أَبَدًا حَضَرًا وَسَفَرًا وَيَخْفَى ذَلِكَ عَلَى خُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ وَعَلَى جُمْهُورِ أَصْحَابِهِ وَأَهْلِ بَلَدِهِ فِي الْأَعْصَارِ الْفَاضِلَةِ هَذَا مِنْ أَمْحَلِ الْمُحَالِ حَتّى يَحْتَاجَ إلَى التّشَبّثِ فِيهِ بِأَلْفَاظٍ مُجْمَلَةٍ وَأَحَادِيثَ وَاهِيَةٍ فَصَحِيحُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ غَيْرُ صَرِيحٍ وَصَرِيحُهَا غَيْرُ صَحِيحٍ وَهَذَا مَوْضِعٌ يَسْتَدْعِي مُجَلّدًا ضَخْمًا .
وَكَانَتْ قِرَاءَتُهُ مَدّا يَقِفُ عِنْدَ كُلّ آيَةٍ وَيَمُدّ بِهَا صَوْتَهُ . فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَالَ"آمِينَ"فَإِنْ كَانَ يَجْهَرُ بِالْقِرَاءَةِ رَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ وَقَالَهَا مَنْ خَلْفَهُ [ ص 201 ]
[ سَكَتَاتُ الْإِمَام ِ ]