فهرس الكتاب

الصفحة 770 من 3657

وَأَمّا تَحْرِيمُ بَيْعِ الْمَيْتَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلّ مَا يُسَمّى مَيْتَةً سَوَاءٌ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ ذُكّيَ ذَكَاةً لَا تُفِيدُ حِلّهُ . وَيَدْخُلُ فِيهِ أَبْعَاضُهَا أَيْضًا وَلِهَذَا اسْتَشْكَلَ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّه عَنْهُمْ تَحْرِيمَ بَيْعِ الشّحْمِ مَعَ مَا لَهُمْ فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ فَأَخْبَرَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ حَرَامٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا ذَكَرُوا مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَهَذَا مَوْضِعٌ اخْتَلَفَ النّاسُ فِيهِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي فَهْمِ مُرَادِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ أَنّ قَوْلَهُ لَا هُوَ حَرَامٌ هَلْ هُوَ عَائِدٌ إلَى الْبَيْعِ أَوْ عَائِدٌ إلَى الْأَفْعَالِ الّتِي سَأَلُوا عَنْهَا ؟ فَقَالَ شَيْخُنَا: هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْبَيْعِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا أَخْبَرَهُمْ أَنّ اللّهَ حَرّمَ بَيْعَ الْمَيْتَةِ قَالُوا: إنّ فِي شُحُومِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ كَذَا وَكَذَا يَعْنُونَ فَهَلْ ذَلِكَ مُسَوّغٌ لِبَيْعِهَا ؟ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ قُلْت: كَأَنّهُمْ طَلَبُوا تَخْصِيصَ الشّحُومِ مِنْ جُمْلَةِ الْمَيْتَةِ بِالْجَوَازِ كَمَا طَلَبَ الْعَبّاسُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ تَخْصِيصَ الْإِذْخِرِ مِنْ جُمْلَةِ تَحْرِيمِ نَبَاتِ الْحَرَمِ بِالْجَوَازِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ التّحْرِيمُ عَائِدٌ إلَى الْأَفْعَالِ الْمَسْئُولِ عَنْهَا وَقَالَ هُوَ حَرَامٌ وَلَمْ يَقُلْ هِيَ لِأَنّهُ أَرَادَ الْمَذْكُورَ جَمِيعَهُ وَيُرَجّحُ قَوْلَهُمْ عَوْدُ الضّمِيرِ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَيُرَجّحُهُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنّ إبَاحَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ [ ص 665 ] ذَرِيعَةٌ إلَى اقْتِنَاءِ الشّحُومِ وَبَيْعِهَا وَيُرَجّحُهُ أَيْضًا: أَنّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا هِيَ حَرَامٌ وَهَذَا الضّمِيرُ إمّا أَنْ يَرْجِعَ إلَى الشّحُومِ وَإِمّا إلَى هَذِهِ الْأَفْعَالِ وَعَلَى التّقْدِيرَيْنِ فَهُوَ حُجّةٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْأَفْعَالِ الّتِي سَأَلُوا عَنْهَا . وَيُرَجّحُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي الْفَأْرَةِ الّتِي وَقَعَتْ فِي السّمْنِ إنْ كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَكُلُوهُ وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ وَفِي الِانْتِفَاعِ بِهِ فِي الِاسْتِصْبَاحِ وَغَيْرِهِ قُرْبَانٌ لَهُ . وَمَنْ رَجّحَ الْأَوّلَ يَقُولُ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّمَا حَرُمَ مِنْ الْمَيْتَةِ أَكْلُهَا وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّهُ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا فِي غَيْرِ أَكْلٍ كَالْوَقِيدِ وَسَدّ الْبُثُوقِ وَنَحْوِهِمَا . قَالُوا: وَالْخَبِيثُ إنّمَا تَحْرُمُ مُلَابَسَتُهُ بَاطِنًا وَظَاهِرًا كَالْأَكْلِ وَاللّبْسِ وَأَمّا الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ مُلَابَسَةٍ فَلِأَيّ شَيْءٍ يَحْرُمُ ؟ قَالُوا: وَمَنْ تَأَمّلَ سِيَاقَ حَدِيثِ جَابِرٍ عَلِمَ أَنّ السّؤَالَ إنّمَا كَانَ مِنْهُمْ عَنْ الْبَيْعِ وَأَنّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرَخّصَ لَهُمْ فِي بَيْعِ الشّحُومِ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَنَافِعِ فَأَبَى عَلَيْهِمْ وَقَالَ هُوَ حَرَامٌ فَإِنّهُمْ لَوْ سَأَلُوهُ عَنْ حُكْمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ لَقَالُوا: أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَصْبِحَ بِهَا النّاسُ وَتُدْهَنَ بِهَا الْجُلُودُ ؟ وَلَمْ يَقُولُوا: فَإِنّهُ يَفْعَلُ بِهَا كَذَا وَكَذَا فَإِنّ هَذَا إخْبَارٌ مِنْهُمْ لَا سُؤَالٌ وَهُمْ لَمْ يُخْبِرُوهُ بِذَلِكَ عَقِيبَ تَحْرِيمِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ عَلَيْهِمْ لِيَكُونَ قَوْلُهُ"لَا هُوَ حَرَامٌ"صَرِيحًا فِي تَحْرِيمِهَا وَإِنّمَا أَخْبَرُوهُ بِهِ عَقِيبَ تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ فَكَأَنّهُمْ طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يُرَخّصَ لَهُمْ فِي بَيْعِ الشّحُومِ لِهَذِهِ الْمَنَافِعِ الّتِي ذَكَرُوهَا فَلَمْ يَفْعَلْ . وَنِهَايَةُ الْأَمْرِ أَنّ الْحَدِيثَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ فَلَا يَحْرُمُ مَا لَمْ يَعْلَمْ أَنّ اللّهَ وَرَسُولَهُ حَرّمَهُ . قَالُوا: وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ نَهَاهُمْ عَنْ الِاسْتِسْقَاءِ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ وَأَبَاحَ لَهُمْ أَنْ [ ص 666 ] قَالُوا: وَمَعْلُومٌ أَنّ إيقَادَ النّجَاسَةِ وَالِاسْتِصْبَاحَ بِهَا انْتِفَاعٌ خَالٍ عَنْ هَذِهِ الْمُفْسِدَةِ وَعَنْ مُلَابَسَتِهَا بَاطِنًا وَظَاهِرًا فَهُوَ نَفْعٌ مَحْضٌ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ . وَمَا كَانَ هَكَذَا فَالشّرِيعَةُ لَا تُحَرّمُهُ فَإِنّ الشّرِيعَةَ إنّمَا تُحَرّمُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت