فهرس الكتاب

الصفحة 776 من 3657

وَأَمّا بَيْعُ الدّهْنِ النّجَسِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فِي مَذْهَبِهِ . أَحَدُهَا: أَنّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ . وَالثّانِي: أَنّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِكَافِرِ يَعْلَمُ نَجَاسَتَهُ وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَنْهُ . قُلْت: وَالْمُرَادُ بِعِلْمِ النّجَاسَةِ الْعِلْمُ بِالسّبَبِ الْمُنَجّسِ لَا اعْتِقَادَ الْكَافِرِ نَجَاسَتَهُ . وَالثّالِثُ يَجُوزُ بَيْعُهُ لِكَافِرٍ وَمُسْلِمٍ . وَخَرَجَ هَذَا الْوَجْهُ مِنْ جَوَازِ إيقَادِهِ وَخَرَجَ أَيْضًا مِنْ طَهَارَتِهِ بِالْغَسْلِ فَيَكُونُ كَالثّوْبِ النّجِسِ وَخَرّجَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ وَجْهًا بِبَيْعِ السّرْقِينِ النّجِسِ لِلْوَقِيدِ مِنْ بَيْعِ الزّيْتِ النّجِسِ لَهُ وَهُوَ تَخْرِيجٌ صَحِيحٌ .

[ بَيْعُ السّرْجِينِ النّجِسِ ]

وَأَمّا أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ فَجَوّزُوا بَيْعَ السّرْقِينِ النّجِسِ إذَا كَانَ تَبَعًا لِغَيْرِهِ وَمَنَعُوهُ إذَا كَانَ مُفْرَدًا .

فَصْلٌ [ بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ ]

وَأَمّا عَظْمُهَا فَمَنْ لَمْ يُنَجّسْهُ بِالْمَوْتِ كَأَبِي حَنِيفَهُ وَبَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَاخْتِيَارِ ابْنِ وَهْبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ فَيَجُوزُ بَيْعُهُ عِنْدَهُمْ وَإِنْ اخْتَلَفَ مَأْخَذُ الطّهَارَةِ فَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ قَالُوا: لَا يَدْخُلُ فِي الْمَيْتَةِ وَلَا يَتَنَاوَلُهُ اسْمُهَا وَمَنَعُوا كَوْنَ الْأَلَمِ دَلِيلَ حَيّاتِهِ قَالُوا: وَإِنّمَا تُؤْلِمُهُ لِمَا جَاوَرَهُ مِنْ اللّحْمِ لَا ذَاتَ الْعَظْمِ وَحَمَلُوا قَوْلَهُ تَعَالَى: { قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ } [ يس: 78 ] عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ أَصْحَابُهَا . وَغَيْرُهُمْ ضَعّفَ هَذَا الْمَأْخَذَ جِدّا وَقَالَ الْعَظْمُ يَأْلَمُ حِسّا وَأَلَمُهُ أَشَدّ مِنْ أَلَمِ اللّحْمِ وَلَا يَصِحّ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنّهُ تَقْدِيرُ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ . الثّانِي: أَنّ هَذَا التّقْدِيرَ يَسْتَلْزِمُ الْإِضْرَابَ عَنْ جَوَابِ سُؤَالِ السّائِلِ الّذِي اسْتَشْكَلَ حَيَاةَ [ ص 674 ] أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ أَخَذَ عَظْمًا بَالِيًا ثُمّ جَاءَ بِهِ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَفَتّهُ فِي يَدِهِ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَتَرَى اللّهَ يُحْيِي هَذَا بَعْدَ مَا رُمّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ وَيَبْعَثُك وَيُدْخِلُكَ النّارَ فَمَأْخَذُ الطّهَارَةِ أَنّ سَبَبَ تَنْجِيسِ الْمَيْتَةِ مُنْتَفٍ فِي الْعِظَامِ فَلَمْ يُحْكَمْ بِنَجَاسَتِهَا وَلَا يَصِحّ قِيَاسُهَا عَلَى اللّحْمِ لِأَنّ احْتِقَانَ الرّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ الْخَبِيثَةِ يَخْتَصّ بِهِ دُونَ الْعِظَامِ كَمَا أَنّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ لَا يُنَجّسُ بِالْمَوْتِ وَهُوَ حَيَوَانٌ كَامِلٌ لِعَدَمِ سَبَبِ التّنْجِيسِ فِيهِ . فَالْعَظْمُ أَوْلَى وَهَذَا الْمَأْخَذُ أَصَحّ وَأَقْوَى مِنْ الْأَوّلِ وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ بَيْعُ عِظَامِ الْمَيْتَةِ إذَا كَانَتْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرِ الْعَيْنِ . وَأَمّا مَنْ رَأَى نَجَاسَتَهَا فَإِنّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا إذْ نَجَاسَتُهَا عَيْنِيّةٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ لَا أَرَى أَنْ تُشْتَرَى عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَلَا تُبَاعُ وَلَا أَنْيَابُ الْفِيلِ وَلَا يُتّجَرُ فِيهَا وَلَا يُمْتَشَطُ بِأَمْشَاطِهَا وَلَا يُدْهَنُ بِمَدَاهِنِهَا وَكَيْفَ يُجْعَلُ الدّهْنُ فِي الْمَيْتَةِ وَيُمَشّطُ لِحْيَتَهُ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَهِيَ مَبْلُولَةٌ وَكَرِهَ أَنْ يُطْبَخَ بِعِظَامِ الْمَيْتَةِ وَأَجَازَ مُطَرّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ بَيْعَ أَنْيَابِ الْفِيلِ مُطْلَقًا وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَصْبَغَ إنْ غُلِيَتْ وَسُلِقَتْ وَجَعَلَا ذَلِكَ دِبَاغًا لَهَا .

فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخِنْزِيرِ ]

وَأَمّا تَحْرِيمُ بَيْعِ الْخِنْزِيرِ فَيَتَنَاوَلُ جُمْلَتَهُ وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ الظّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَتَأَمّلَ كَيْفَ ذَكَرَ لَحْمَهُ عِنْدَ تَحْرِيمِ الْأَكْلِ إشَارَةً إلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ وَمُعْظَمُهُ اللّحْمُ فَذَكَرَ اللّحْمَ تَنْبِيهًا عَلَى تَحْرِيمِ أَكْلِهِ دُونَ مَا قَبْلَهُ بِخِلَافِ الصّيْدِ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ وَحَرّمَ عَلَيْكُمْ لَحْمَ الصّيْدِ بَلْ حَرّمَ نَفْسَ الصّيْدِ لِيَتَنَاوَلَ ذَلِكَ أَكْلَهُ وَقَتْلَهُ . وَهَهُنَا لَمّا حَرّمَ الْبَيْعَ ذَكَرَ جُمْلَتَهُ وَلَمْ يَخُصّ التّحْرِيمَ بِلَحْمِهِ لَيَتَنَاوَلَ بَيْعَهُ حَيًا وَمَيّتًا . [ ص 675 ]

فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ بَيْعِ الْأَصْنَامِ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت