عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ كَانَ يُعْطِي الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَالِ الزّكَاةِ وَالْفَيْءِ مَعَ غِنَاهُمْ وَعَدَمِ حَاجَتِهِمْ إلَيْهِ لِيَبْذُلُوا مِنْ الْإِسْلَامِ وَالطّاعَةِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ بَذْلُهُ بِدُونِ الْعَطَاءِ وَلَا يَحِلّ لَهُمْ تَوَقّفُ بَذْلِهِ عَلَى الْأَخْذِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِمْ الْمُبَادَرَةُ إلَى بَذْلِهِ بِلَا عِوَضٍ . وَهَذَا أَصْلٌ مَعْرُوفٌ مِنْ أُصُولِ الشّرْعِ أَنّ الْعَقْدَ وَالْبَذْلَ قَدْ يَكُونُ جَائِزًا أَوْ مُسْتَحَبّا أَوْ وَاجِبًا مِنْ أَحَدِ الطّرَفَيْنِ مَكْرُوهًا أَوْ مُحَرّمًا مِنْ الطّرَفِ الْآخَرِ فَيَجِبُ عَلَى الْبَاذِلِ أَنْ يَبْذُلَ وَيَحْرُمُ عَلَى الْآخِذِ أَنْ يَأْخُذَهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَخُبْثُ أَجْرِ الْحَجّامِ مِنْ جِنْسِ خُبْثِ أَكْلِ الثّومِ وَالْبَصَلِ لَكِنّ هَذَا خَبِيثُ الرّائِحَةِ وَهَذَا خَبِيثٌ لِكَسْبِهِ .
[أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَحَلّهَا ]
فَإِنْ قِيلَ فَمَا أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَحَلّهَا ؟ قِيلَ هَذَا فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْفُقَهَاءِ . أَحَدُهَا: أَنّهُ كَسْبُ التّجَارَة [ ص 703 ] وَالثّانِي: أَنّهُ عَمَلُ الْيَدِ فِي غَيْرِ الصّنَائِعِ الدّنِيئَةِ كَالْحِجَامَةِ وَنَحْوِهَا . وَالثّالِثُ أَنّهُ الزّرَاعَةُ وَلِكُلّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ وَجْهٌ مِنْ التّرْجِيحِ أَثَرًا وَنَظَرًا وَالرّاجِحُ أَنّ أَحَلّهَا الْكَسْبُ الّذِي جَعَلَ مِنْهُ رِزْقَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ كَسْبُ الْغَانِمِينَ وَمَا أُبِيحَ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ الشّارِعِ وَهَذَا الْكَسْبُ قَدْ جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مَدْحُهُ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَأُثْنِيَ عَلَى أَهْلِهِ مَا لَمْ يُثْنَ عَلَى غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا اخْتَارَهُ اللّهُ لِخَيْرِ خَلْقِهِ وَخَاتَمِ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ حَيْثُ يَقُولُ بُعِثْتُ بِالسّيْفِ بَيْنَ يَدَيْ السّاعَةِ حَتّى يُعْبَدَ اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَجُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلّ رُمْحِي وَجُعِلَ الذّلّةُ وَالصّغَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ أَمْرِي وَهُوَ الرّزْقُ الْمَأْخُوذُ بِعَزّةٍ وَشَرَفٍ وَقَهْرٍ لِأَعْدَاءِ اللّهِ وَجُعِلَ أَحَبّ شَيْءٍ إلَى اللّهِ فَلَا يُقَاوِمُهُ كَسْبُ غَيْرِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْعِ عَسْبِ الْفَحْلِ وَضِرَابِهِ
فِي"صَحِيحِ الْبُخَارِيّ"عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ عَسْبِ الْفَحْلِ وَفِي"صَحِيحِ مُسْلِمٍ"عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم نَهَى عَنْ بَيْعِ ضِرَابِ الْفَحْلِ وَهَذَا الثّانِي تَفْسِيرٌ لِلْأَوّلِ وَسَمّى أُجْرَةَ ضِرَابِهِ بَيْعًا إمّا لِكَوْنِ الْمَقْصُودِ هُوَ الْمَاءَ الّذِي لَهُ فَالثّمَنُ مَبْذُولٌ فِي مُقَابَلَةِ عَيْنِ مَائِهِ وَهُوَ حَقِيقَةُ الْبَيْعِ وَإِمّا أَنّهُ سَمّى إجَارَتَهُ لِذَلِكَ بَيْعًا إذْ هِيَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ وَهِيَ بَيْعُ الْمَنَافِعِ وَالْعَادَةُ أَنّهُمْ يَسْتَأْجِرُونَ الْفَحْلَ لِلضّرَابِ وَهَذَا هُوَ الّذِي نُهِيَ عَنْهُ وَالْعَقْدُ الْوَارِدُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ سَوَاءٌ كَانَ بَيْعًا أَوْ إجَارَةً وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُمْ . [ ص 704 ] وَقَالَ أَبُو الْوَفَاءِ بْنُ عَقِيلٍ: وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي الْجَوَازُ لِأَنّهُ عَقْدٌ عَلَى مَنَافِعِ الْفَحْلِ وَنَزْوِهِ عَلَى الْأُنْثَى وَهِيَ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ وَمَاءُ الْفَحْلِ يَدْخُلُ تَبَعًا وَالْغَالِبُ حُصُولُهُ عَقِيبَ نَزْوِهِ فَيَكُونُ كَالْعَقْدِ عَلَى الظّئْرِ لِيَحْصُلَ اللّبَنُ فِي بَطْنِ الصّبِيّ وَكَمَا لَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا وَفِيهَا بِئْرُ مَاءٍ فَإِنّ الْمَاءَ يَدْخُلُ تَبَعًا وَقَدْ يُغْتَفَرُ فِي الْأَتْبَاعِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الْمَتْبُوعَاتِ . وَأَمّا مَالِكٌ فَحُكِيَ عَنْهُ جَوَازُهُ وَاَلّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُهُ التّفْصِيلُ فَقَالَ صَاحِبُ"الْجَوَاهِرِ"فِي بَابِ فَسَادِ الْعَقْدِ مِنْ جِهَةِ نَهْيِ الشّارِعِ وَمِنْهَا بَيْعُ عَسْبِ الْفَحْلِ وَيُحْمَلُ النّهْيُ فِيهِ عَلَى اسْتِئْجَارِ الْفَحْلِ عَلَى لِقَاحِ الْأُنْثَى وَهُوَ فَاسِدٌ لِأَنّهُ غَيْرُ مَقْدُورٍ عَلَى تَسْلِيمِهِ فَأَمّا أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ عَلَى أَنْ يَنْزُوَ عَلَيْهِ دَفَعَاتٍ مَعْلُومَةً فَذَلِكَ جَائِزٌ إذْ هُوَ أَمَدٌ مَعْلُومٌ فِي نَفْسِهِ وَمَقْدُورٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ .
1ـ باع واشترى، وكان شراؤه أكثر من بيعه بعد الرسالة. وآجر واستأجر، ووكل وتوكل، وكان توكيله أكثر من توكله.