فهرس الكتاب
إذَا عُرِفَ هَذَا فَعِلَاجُ الصّدَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْحِنّاءِ هُوَ جُزْئِيّ لَا كُلّيّ وَهُوَ عِلَاجُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَإِنّ الصّدَاعَ إذَا كَانَ مِنْ حَرَارَةٍ مُلْهِبَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَادّةٍ يَجِبُ اسْتِفْرَاغُهَا نَفَعَ فِيهِ الْحِنّاءُ نَفْعًا ظَاهِرًا وَإِذَا دُقّ وَضُمّدَتْ بِهِ الْجَبْهَةُ مَعَ الْخَلّ سَكَنَ الصّدَاعُ وَفِيهِ قُوّةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْعَصَبِ إذَا ضُمّدَ بِهِ سَكَنَتْ أَوْجَاعُهُ وَهَذَا لَا يَخْتَصّ بِوَجَعِ الرّأْسِ بَلْ يَعُمّ الْأَعْضَاءَ وَفِيهِ قَبْضٌ تُشَدّ بِهِ الْأَعْضَاءُ وَإِذَا ضُمّدَ بِهِ مَوْضِعُ الْوَرَمِ الْحَارّ وَالْمُلْتَهِبِ سَكّنَهُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي"تَارِيخِه ِ"وَأَبُو دَاوُدَ فِي"السّنَنِ"أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا شَكَا إلَيْهِ أَحَدٌ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إلّا قَالَ لَهُ"احْتَجِمْ"وَلَا شَكَا إلَيْهِ وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إلّا قَالَ لَهُ"اخْتَضِبْ بِالْحِنّاءِ". وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ سَلْمَى أُمّ رَافِعٍ خَادِمَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ كَانَ لَا يُصِيبُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرْحَةٌ وَلَا شَوْكَةٌ إلّا وَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنّاءَ . [ ص 82 ]
زاد المعاد - (ج 4 / ص 83)
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مُعَالَجَةِ الْمَرْضَى بِتَرْكِ إعْطَائِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَإِنّهُمْ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى تَنَاوُلِهِمَا
رَوَى التّرْمِذِيّ فِي"جَامِعِهِ"وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطّعَامِ وَالشّرَابِ فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبّاءِ مَا أَغْزَرَ فَوَائِدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ النّبَوِيّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حِكَمٍ إلَهِيّةٍ لَا سِيّمَا لِلْأَطِبّاءِ وَلِمَنْ يُعَالِجْ الْمَرْضَى وَذَلِكَ أَنّ الْمَرِيضَ إذَا عَافَ الطّعَامَ أَوْ الشّرَابَ فَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الطّبِيعَةِ بِمُجَاهَدَةِ الْمَرَضِ أَوْ لِسُقُوطِ شَهْوَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهَا لِضَعْفِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيّةِ أَوْ خُمُودِهَا وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ إعْطَاءُ الْغِذَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . وَاعْلَمْ أَنّ الْجُوعَ إنّا هُوَ طَلَبُ الْأَعْضَاءِ لِلْغِذَاءِ لِتَخَلّفِ الطّبِيعَةِ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضَ مَا يَتَحَلّلُ مِنْهَا فَتَجْذِبُ الْأَعْضَاءَ الْقُصْوَى مِنْ الْأَعْضَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَنْتَهِيَ [ ص 84 ] الطّبِيعَةُ بِمَادّتِهِ وَإِنْضَاجِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ أَوْ الشّرَابِ فَإِذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعَطّلَتْ بِهِ الطّبِيعَةُ عَنْ فِعْلِهَا وَاشْتَغَلَتْ بِهَضْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ عَنْ إنْضَاجِ مَادّةِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ الْمَرِيضِ وَلَا سِيّمَا فِي أَوْقَاتِ الْبُحْرَانِ أَوْ ضَعْفِ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ أَوْ خُمُودِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْبَلِيّةِ وَتَعْجِيلِ النّازِلَةِ الْمُتَوَقّعَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْحَالِ إلّا مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوّتَهُ وَيُقَوّيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ مُزْعِجٍ لِلطّبِيعَةِ أَلْبَتّةَ وَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا لَطُفَ قِوَامُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَاعْتَدَلَ مِزَاجُهُ كَشَرَابِ اللّينُوفَرِ وَالتّفّاحِ وَالْوَرْدِ الطّرِيّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمِنْ الْأَغْذِيَةِ مَرَقُ الْفَرَارِيجِ الْمُعْتَدِلَةِ الطّيّبَةِ فَقَطْ وَإِنْعَاشُ قُوَاهُ بِالْأَرَايِيحِ الْعَطِرَةِ الْمُوَافِقَةِ وَالْأَخْبَارِ السّارّةِ فَإِنّ الطّبِيبَ خَادِمُ الطّبِيعَةِ وَمُعِينُهَا لَا مُعِيقُهَا . وَاعْلَمْ أَنّ الدّمَ الْجَيّدَ هُوَ الْمُغَذّي لِلْبَدَنِ وَأَنّ الْبَلْغَمَ دَمٌ فَجّ قَدْ نَضِجَ بَعْضَ النّضْجِ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمَرْضَى فِي بَدَنِهِ بَلْغَمٌ كَثِيرٌ وَعَدِمَ الْغِذَاءَ عَطَفَتْ الطّبِيعَةُ عَلَيْهِ وَطَبَخَتْهُ وَأَنْضَجَتْهُ وَصَيّرَتْهُ دَمًا وَغَذّتْ بِهِ الْأَعْضَاءَ وَاكْتَفَتْ بِهِ عَمّا سِوَاهُ وَالطّبِيعَةُ هِيَ الْقُوّةُ الّتِي وَكَلَهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ بِتَدْبِيرِ الْبَدَنِ وَحِفْظِهِ وَصِحّتِهِ وَحِرَاسَتِهِ مُدّةَ حَيَاتِهِ .
[ إجْبَارُ الْمَرِيضِ عَلَى الطّعَامِ ]