وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ"تُرْبَةُ أَرْضِنَا"جَمِيعُ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصّةً ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَا رَيْبَ أَنّ مِنْ التّرْبَةِ مَا تَكُونُ فِيهِ خَاصّيّةٌ يَنْفَعُ بِخَاصّيّتِهِ مِنْ أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ [ ص 172 ] قَالَ جَالِينُوسُ: رَأَيْت بِالْإِسْكَنْدَرِيّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ وَيَطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيّنَةً . قَالَ وَعَلَى هَذَا النّحْوِ فَقَدْ يَنْفَعُ هَذَا الطّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهّلَةِ الرّخْوَةِ قَالَ وَإِنّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدّمِ مِنْ أَسْفَلِ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطّينِ نَفْعًا بَيّنًا وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً كَانَتْ مُتَمَكّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمَكّنًا شَدِيدًا فَبَرَأَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْمَسِيحِيّ قُوّةُ الطّينِ الْمَجْلُوبِ مِنْ كُنُوسَ - وَهِيَ جَزِيرَةُ المصطكى - قُوّةٌ تَجْلُو وَتَغْسِلُ وَتُنْبِتُ اللّحْمَ فِي الْقُرُوحِ وَتَخْتِمُ الْقُرُوحَ . انْتَهَى . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذِهِ التّرُبَاتِ فَمَا الظّنّ بِأَطْيَبِ تُرْبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَبْرَكِهَا وَقَدْ خَالَطَتْ رِيقَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَارَنَتْ رُقْيَتَهُ بِاسْمِ رَبّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ قُوَى الرّقْيَةِ وَتَأْثِيرَهَا بِحَسَبِ الرّاقِي وَانْفِعَالِ الْمَرْقِيّ عَنْ رُقْيَتِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ طَبِيبٌ فَاضِلٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ فَإِنْ انْتَفَى أَحَدُ الْأَوْصَافِ فَلْيَقُلْ مَا شَاءَ .
زاد المعاد - (ج 4 / ص 172)
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْوَجَعِ بِالرّقْيَةِ
رَوَى مُسْلِمٌ فِي"صَحِيحِهِ"عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ أَنّهُ شَكَى إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ"ضَعْ يَدَكَ عَلَى الّذِي تَأَلّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِسْمِ اللّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرّاتٍ أَعُوذُ بِعِزّةِ اللّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ فَفِي هَذَا الْعِلَاجِ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ وَالتّفْوِيضِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزّتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ الْأَلَمِ مَا يَذْهَبُ بِهِ وَتَكْرَارُهُ لِيَكُونَ أَنْجَعَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدّوَاءِ لِأَخْرَاجِ الْمَادّةِ وَفِي السّبْعِ خَاصّيّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا وَفِي [ ص 173 ] الصّحِيحَيْنِ": أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُعَوّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ"اللّهُمّ رَبّ النّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ وَاشْفِ أَنْتَ الشّافِي لَا شِفَاءَ إلّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا فَفِي هَذِهِ الرّقْيَةِ تَوَسّلٌ إلَى اللّهِ بِكَمَالِ رُبُوبِيّتِهِ وَكَمَالِ رَحْمَتِهِ بِالشّفَاءِ وَأَنّهُ وَحْدَهُ الشّافِي وَأَنّهُ لَا شِفَاءَ إلّا شِفَاؤُهُ فَتَضَمّنَتْ التّوَسّلَ إلَيْهِ بِتَوْحِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرُبُوبِيّتِهِ ."
زاد المعاد - (ج 4 / ص 173)
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ حَرّ الْمُصِيبَةِ وَحُزْنِهَا
قَالَ تَعَالَى: { وَبَشّرِ الصّابِرِينَ الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [ الْبَقَرَةُ 155 ] . وَفِي"الْمُسْنَدِ"عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللّهُمّ أْجُرْني فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلّا أَجَارَهُ اللّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا
[ إذَا تَحَقّقَ الْعَبْدُ بِأَنّهُ لِلّهِ وَأَنّ مَصِيرَهُ إلَيْهِ تَسَلّى عَنْ مُصِيبَتِهِ ]