وَمِنْ عِلَاجِهَا: أَنْ يَعْلَمَ أَنّ مَرَارَةَ الدّنْيَا هِيَ بِعَيْنِهَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ يَقْلِبُهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ وَحَلَاوَةَ الدّنْيَا بِعَيْنِهَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ وَلَأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَرَارَةٍ مُنْقَطِعَةٍ إلَى حَلَاوَةٍ دَائِمَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ عَكْسِ ذَلِكَ فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْك هَذَا فَانْظُرْ إلَى قَوْلِ الصّادِقِ الْمَصْدُوقِ حُفّتْ الْجَنّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفّتْ النّارُ بِالشّهَوَاتِ وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَفَاوَتَتْ عُقُولُ الْخَلَائِقِ وَظَهَرَتْ حَقَائِقُ الرّجَالِ فَأَكْثَرُهُمْ [ ص 180 ] آثَرَ الْحَلَاوَةَ الْمُنْقَطِعَةَ عَلَى الْحَلَاوَةِ الدّائِمَةِ الّتِي لَا تَزُولُ وَلَمْ يَحْتَمِلْ مَرَارَةَ سَاعَةٍ لِحَلَاوَةِ الْأَبَدِ وَلَا ذُلّ سَاعَةٍ لِعِزّ الْأَبَدِ وَلَا مِحْنَةَ سَاعَةٍ لِعَافِيَةِ الْأَبَدِ فَإِنّ الْحَاضِرَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَالْمُنْتَظَرَ غَيْبٌ وَالْإِيمَانُ ضَعِيفٌ وَسُلْطَانُ الشّهْوَةِ حَاكِمٌ فَتَوَلّدَ مِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الْعَاجِلَةِ وَرَفْضُ الْآخِرَةِ وَهَذَا حَالُ النّظَرِ الْوَاقِعِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ وَأَوَائِلِهَا وَمَبَادِئِهَا وَأَمّا النّظَرُ الثّاقِبُ الّذِي يَخْرِقُ حُجُبَ الْعَاجِلَةِ وَيُجَاوِزُهُ إلَى الْعَوَاقِبِ وَالْغَايَاتِ فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ . فَادْعُ نَفْسَك إلَى مَا أَعَدّ اللّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ مِنْ النّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالسّعَادَةِ الْأَبَدِيّةِ وَالْفَوْزِ الْأَكْبَرِ وَمَا أَعَدّ لِأَهْلِ الْبِطَالَةِ وَالْإِضَاعَةِ مِنْ الْخِزْيِ وَالْعِقَابِ وَالْحَسَرَاتِ الدّائِمَةِ ثُمّ اخْتَرْ أَيّ الْقِسْمَيْنِ أَلْيَقَ بِك وَكُلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَكُلّ أَحَدٍ يَصْبُو إلَى مَا يُنَاسِبُهُ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى بِهِ وَلَا تَسْتَطِلْ هَذَا الْعِلَاجَ فَشِدّةُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِنْ الطّبِيبِ وَالْعَلِيلِ دَعَتْ إلَى بَسْطِهِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
1ـ قال صلى الله عليه وسلم: (( إنما الحمى ـ أو شدة الحمى ـ من فَيْحِ جَهَنَّمَ؛ فَأَبِردُوهَا بالماء ) ) [ق] .
2ـ وقال: (( إذا حُمَّ أحدكم فليسنَّ(1) عليه الماء البارد ثلاث ليال من السَّحر )).
3ـ وكان إذا حُمَّ دعا بقربة من ماء فأفرغها على رأسه فاغتسل.
وَذُكِرَتْ الحُمى عنده ذات مرة، فسبها رجل، فقال: (( لا تسبها؛ فإنها تنفي الذنوب كما تنفي النارُ خبثَ الحديد ) ) [صحيح ابن ماجه] .
4ـ وأتاه رجل فقال: إن أخي يشتكي بطنه ـ وفي رواية: استطلق بطنه ـ فقال: (( اسقه عسلًا ) ) [ق] ، وكان يشربه بالماء على الريق.
5ـ واشتكى قوم اجتووا المدينة من داء الاستسقاء، فقال: (( لو خرجتم إلى إبل الصدقة فشربتم من أبوالها وألبانها ) )ففعلوا وصحوا [ق] .
والجوى: داء من أدواء الجوف، والاستسقاء: مرض يسبب انتفاخ البطن.
6ـ ولما جرح في أحد أخذت فاطمة قطعة حصير فأحرقتها حتى إذا صارت رمادًا ألصقته بالجرح؛ فاستمسك الدم.
وبعث إلى أبي بن كعب طبيبًا فقطع له عِرْقًا وكواه عليه. وقال: (( الشفاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة مجحم، وكية نار، وأنهى أمتي عن الكي ) ) [خ] ، وقال: (( وما أحب أن أكتوي ) ) [ق] . إشارة إلى أن يؤخر الأخذ به حتى تدفع الضرورة إليه، لما فيه من استعجال الألم الشديد.
7ـ وَاحْتَجَمَ صلى الله عليه وسلم وأعطى الْحَجَّامَ أَجْرَهُ، وقال: (( إن خير ما تحتجمون فيه يوم سبع عشرة، ويوم تسع عشرة، ويوم إحدى وعشرين ) ) [صحيح الجامع] ، وقال: (( خير ما تداويتم به الحجامة ) ) [ق] . واحتجم وهو مُحْرِمٌ في رأسه لصداع، واحتجم في وركه من وثء (1) ٍ كان به.
وكان يحتجم ثلاثًا: واحدة على كَاهِلِهِ واثنتين على الأخدعين (2) .
واحتكم على الكاهل ثلاثًا لَمَّا أَكَلَ من الشَّاة المسمومة، وأمر أصحابه بالحجامة.
8ـ وما شكى إليه أحد وجعًا في رأسه إلا قال له: (( احتجم ) )، ولا شكى إليه وجعًا في رجليه إلا قال له: (( اختضب بالحناء ) ) [صحيح أبي داود] .
9ـ وفي سنن الترمذي عن سلمى أم رافع خادمة النبي صلى الله عليه وسلم قالت: وكان لا يصيبه قرحة ولا شوكة إلا وضع عليها الحناء [صحيح ابن ماجه] .
10ـ وقال: (( دواء عرق النسا ألية شاة تشرب على الريق في كل يوم جزء ) ) [صحيح ابن ماجه] .
وعرق النسا: وجع يبتدئ من مفصل الورك، وينزل من خلف على الفخذ.
11ـ وقال في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه: (( عليكم بالسنا والسنوت؛ فإن فيهما شفاء من كل داء إلا السام ) )وهو الموت [صحيح ابن ماجه] .
والسنا: نبت حجازي. أما السنوت: ففيه أقوال كثيرة؛ منها: أنه العسل، أو العسل الذي يكون في زِقاق السمن.
12ـ وقال: (( خير أكحالكم الإثمد: يجلو البصر، وينبت الشعر ) ) [صحيح أبي داود] . والإثمد: هو الكحل الأسود.