فهرس الكتاب

الصفحة 932 من 3657

كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَفْصَحَ خَلْقِ اللّهِ وَأَعْذَبَهُمْ كَلَامًا وَأَسْرَعَهُمْ أَدَاءً وَأَحْلَاهُمْ مَنْطِقًا حَتّى إنّ كَلَامَهُ لَيَأْخُذُ بِمَجَامِعِ الْقُلُوبِ وَيَسْبِي الْأَرْوَاحَ وَيَشْهَدُ لَهُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ . وَكَانَ إذَا تَكَلّمَ تَكَلّمَ بِكَلَامٍ مُفَصّلٍ مُبَيّنٍ يَعُدّهُ الْعَادّ لَيْسَ بِهَذّ مُسْرِعٍ لَا يُحْفَظُ وَلَا مُنْقَطِعٍ تخلّلُه السّكَتَاتُ بَيْنَ أَفْرَادِ الْكَلَامِ بَلْ هَدْيُهُ فِيهِ أَكْمَلُ الْهَدْيِ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا وَلَكِنْ كَانَ يَتَكَلّمُ بِكَلَامٍ بَيّنٍ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ جَلَسَ إلَيْهِ . وَكَانَ كَثِيرًا مَا يُعِيدُ الْكَلَامَ ثَلَاثًا لِيُعْقَلَ عَنْهُ وَكَانَ إذَا سَلّمَ سَلّمَ ثَلَاثًا . وَكَانَ طَوِيلَ السّكُوتِ لَا يَتَكَلّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ يَفْتَتِحُ الْكَلَامَ وَيَخْتَتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ وَيَتَكَلّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلَامِ فَصْل لَا فُضُولَ وَلَا تَقْصِيرَ وَكَانَ لَا يَتَكَلّمُ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَلَا يَتَكَلّمُ إلّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ وَإِذَا كَرِهَ الشّيْءَ عُرِفَ فِي وَجْهِهِ وَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحّشًا وَلَا صَخّابًا . وَكَانَ جُلّ ضَحِكِهِ التّبَسّمُ بَلْ كُلّهُ التّبَسّمُ فَكَانَ نِهَايَةُ ضَحِكِهِ أَنْ تَبْدُوَ نَوَاجِذُهُ . وَكَانَ يَضْحَكُ مِمّا يَضْحَكُ مِنْهُ وَهُوَ مِمّا يُتَعَجّبُ مِنْ مِثْلِهِ وَيُسْتَغْرَبُ وُقُوعُهُ وَيُسْتَنْدَرُ . أَسْبَابُ الضّحِكِ وَلِلضّحِكِ أَسْبَابٌ عَدِيدَةٌ هَذَا أَحَدُهَا . وَالثّانِي: ضَحِكُ الْفَرَحِ وَهُوَ أَنْ [ ص 176 ] أَغْضَبَهُ وَعَدَمِ اكْتِرَاثِهِ بِهِ .

[بُكَاؤُهُ ]

صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمّا بُكَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَانَ مِنْ جِنْسِ ضَحِكِهِ لَمْ يَكُنْ بِشَهِيقٍ وَرَفْعِ صَوْتٍ كَمَا لَمْ يَكُنْ ضَحِكُهُ بِقَهْقَهَةٍ وَلَكِنْ كَانَتْ تَدْمَعُ عَيْنَاهُ حَتّى تُهْمَلَا وَيُسْمَعُ لِصَدْرِهِ أَزِيزٌ . وَكَانَ بُكَاؤُهُ تَارَةً رَحْمَةً لِلْمَيّتِ وَتَارَةً خَوْفًا عَلَى أُمّتِهِ وَشَفَقَةً عَلَيْهَا وَتَارَةً مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَتَارَةً عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَهُوَ بُكَاءُ اشْتِيَاقٍ وَمَحَبّةٍ وَإِجْلَالٍ مُصَاحِبٌ لِلْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ . وَلَمّا مَاتَ ابْنُهُ إبْرَاهِيمُ دَمَعَتْ عَيْنَاهُ وَبَكَى رَحْمَةً لَهُ وَقَالَ تَدْمَعُ الْعَيْنُ وَيَحْزَنُ الْقَلْبُ وَلَا نَقُولُ إلّا مَا يُرْضِي رَبّنَا وَإِنّا بِكَ يَا إبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ وَبَكَى لَمّا شَاهَدَ إحْدَى بَنَاتِهِ وَنَفْسُهَا تَفِيضُ وَبَكَى لَمّا قَرَأَ عَلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ ( النّسَاءِ وَانْتَهَى فِيهَا إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلّ أُمّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } [ النّسَاءُ 41 ] وَبَكَى لَمّا مَاتَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَبَكَى لَمّا كَسَفَتْ الشّمْسُ وَصَلّى صَلَاةَ الْكُسُوفِ وَجَعَلَ يَبْكِي فِي صَلَاتِهِ وَجَعَلَ يَنْفُخُ وَيَقُولُ رَبّ أَلَمْ تَعِدْنِي أَلّا تُعَذّبَهُمْ وَأَنَا فِيهِمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُك [ ص 177 ] وَكَانَ يَبْكِي أَحْيَانًا فِي صَلَاةِ اللّيْلِ .

[أَنْوَاع الْبُكَاءِ ]

وَالْبُكَاءُ أَنْوَاعٌ . أَحَدُهَا: بُكَاءُ الرّحْمَةِ وَالرّقّةِ . وَالثّانِي: بُكَاءُ الْخَوْفِ وَالْخَشْيَةِ . وَالثّالِثُ بُكَاءُ الْمَحَبّةِ وَالشّوْقِ . وَالرّابِعُ بُكَاءُ الْفَرَحِ وَالسّرُورِ . وَالْخَامِسُ بُكَاءُ الْجَزَعِ مِنْ وُرُودِ الْمُؤْلِمِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهِ . وَالسّادِسُ بُكَاءُ الْحُزْنِ .

[الْفَرْقُ بَيْنَ بُكَاءِ الْحُزْنِ وَبُكَاءِ الْخَوْفِ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت