فهرس الكتاب

الصفحة 940 من 3657

عَطَائِهِ وَفَضْلِهِ وَ { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ } [ الْأَنْعَامُ 53 ] فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ الْفَضْلِ وَمَحَالّ التّخْصِيصِ وَمَحَالّ الْحِرْمَانِ فَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ أَعْطَى ، وَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ حَرَمَ فَمَنْ رَدّهُ الْمَنْعُ إلَى الِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَالتّذَلّلِ لَهُ وَتَمَلّقِهِ انْقَلَبَ الْمَنْعُ فِي حَقّهِ عَطَاءً وَمَنْ شَغَلَهُ عَطَاؤُهُ وَقَطَعَهُ عَنْهُ انْقَلَبَ الْعَطَاءُ فِي حَقّهِ مَنْعًا ، فَكُلّ مَا شَغَلَ الْعَبْدَ عَنْ اللّهِ فَهُوَ مَشْئُومٌ عَلَيْهِ وَكُلّ مَا رَدّهُ إلَيْهِ فَهُوَ رَحْمَةٌ بِهِ وَالرّبّ تَعَالَى يُرِيدُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يَقَعُ الْفِعْلُ حَتّى يُرِيدَ سُبْحَانَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنّا الِاسْتِقَامَةَ دَائِمًا ، وَاِتّخَاذَ السّبِيلِ إلَيْهِ وَأَخْبَرَنَا أَنّ هَذَا الْمُرَادَ لَا يَقَع حَتّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إعَانَتَنَا عَلَيْهَا وَمُشِيئَتَهُ لَنَا ، فَهُمَا إرَادَتَانِ إرَادَةٌ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ وَإِرَادَةٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْفِعْلِ إلّا بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ وَلَا يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: { وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ التّكْوِيرُ 29 ] فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ رُوحٌ أُخْرَى ، نِسْبَتُهَا إلَى رُوحِهِ كَنِسْبَةِ رُوحِهِ إلَى بَدَنِهِ يَسْتَدْعِي بِهَا إرَادَةَ اللّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ فَاعِلًا ، وَإِلّا فَمَحَلّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَطَاءِ وَلَيْسَ مَعَهُ إنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْعَطَاءُ فَمَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إنَاءٍ رَجَعَ بِالْحِرْمَانِ وَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعَاذَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ وَهُمَا قَرِينَانِ وَمِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَهُمَا قَرِينَانِ فَإِنْ تَخَلّفَ كَمَالُ الْعَبْدِ وَصَلَاحُهُ عَنْهُ إمّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَجْزٌ أَوْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُرِيدُ فَهُوَ كَسَلٌ وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصّفّتَيْنِ فَوَاتُ كُلّ خَيْرٍ وَحُصُولُ كُلّ شَرّ وَمِنْ ذَلِكَ الشّرّ تَعْطِيلُهُ عَنْ النّفْعِ بِبَدَنِهِ وَهُوَ الْجُبْنُ وَعَنْ النّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ ثُمّ يَنْشَأُ لَهُ بِذَلِكَ غَلَبَتَانِ . غَلَبَةٌ بِحَقّ وَهِيَ غَلَبَةُ الدّيْنِ وَغَلَبَةٌ بِبَاطِلٍ وَهِيَ غَلَبَةُ الرّجَالِ وَكُلّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ لِلرّجُلِ الّذِي [ ص 330 ] قَضَى عَلَيْهِ فَقَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَقَال: إنّ اللّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَهَذَا قَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْكَيْسِ الّذِي لَوْ قَامَ بِهِ لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَلَوْ فَعَلَ الْأَسْبَابَ الّتِي يَكُونُ بِهَا كَيّسًا ، ثُمّ غُلِبَ فَقَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ لَكَانَتْ الْكَلِمَةُ قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ، كَمَا أَنّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ، لَمّا فَعَلَ الْأَسْبَابَ الْمَأْمُورَ بِهَا ، وَلَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِهَا ، وَلَا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا ، ثُمّ غَلَبَهُ عَدُوّهُ وَأَلْقَوْهُ فِي النّارِ قَالَ فِي تِلْكَ الْحَالِ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَوَقَعَتْ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا ، وَاسْتَقَرّتْ فِي مَظَانّهَا ، فَأَثّرَتْ أَثَرَهَا ، وَتَرَتّبَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا .

[ التّوَكّلُ ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت