فهرس الكتاب

الصفحة 957 من 3657

قال المناوي (ارحموا ترحموا) لأن الرحمة من صفات الحق التي شمل بها عباده، فلذا كانت أعلامًا اتصف بها البشر، فندب إليها الشارع في كل شيء حتى في قتال الكفار والذبح وإقامة الحجج وغير ذلك (واغفروا يغفر لكم) لأنه سبحانه وتعالى يحب أسمائه وصفاته التي منها الرحمة والعفو ويحب من خلقه من تخلق بها (ويل لأقماع القول) أي شدة هلكة لمن لا يعي أوامر الشرع ولم يتأدب بآدابه، والأقماع بفتح الهمزة جمع قمع بكسر القاف وفتح الميم وتسكن، الإناء الذي يجعل في رأس الظرف ليملأ بالمائع، شبه استماع الذين يستمعون القول ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع التي لا تعي شيئًا مما يفرغ فيها، فكأنه يمر عليها مجتازًا كما يمر الشراب في القمع، كذلك قال الزمخشري: من المجاز ويل لأقماع القول وهم الذين يستمعون ولا يعون (ويل للمصرين) على الذنوب أي العازمين على المداومة عليها (الذين يصرون على ما فعلوا) يقيمون عليها فلم يتوبوا ولم يستغفروا (وهم يعلمون) حال أي يصرون في حال علمهم بأن ما فعلوه معصية، أو يعلمون بأن الإصرار أعظم من الذنب أو يعلمون بأنه يعاقب على الذنب (2)

فقوله صلى الله عليه وسلم: (ارحموا ترحموا) لأن الجزاء من جنس العمل، فلتكن الرحمة سجيتك والرفق خلقك، أما تحب أن يرحمك الله، قال صلى الله عليه وسلم: (ارحم من في الأرض، يرحمك من في السماء) (3) ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) (4) وقال صلى الله عليه وسلم: (من رحم ولو ذبيحة عصفور، رحمه الله يوم القيامة) (5) وقال صلى الله عليه وسلم: (الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) زاد أحمد والترمذي والحاكم: (والرحم شجنة من الرحمن، فمن وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله) (6) أي الراحمون لمن في الأرض من آدمي وحيوان لم يؤمر بقتله بالشفقة والإحسان والمؤاساة والشفاعة وكف الظلم ثم بالتوجع والتوجه إلى اللّه والالتجاء إليه والدعاء بإصلاح الحال ولكل مقام مقال، قال البوني: فإن كان لك شوق إلى رحمة من اللّه، فكن رحيمًا لنفسك ولغيرك ولا تستبد بخيرك، فارحم الجاهل بعلمك، والذليل بجاهك، والفقير بمالك، والكبير والصغير بشفقتك ورأفتك، والعصاة بدعوتك، والبهائم بعطفك ورفع غضبك، فأقرب الناس من رحمة اللّه أرحمهم لخلقه، فكل ما يفعله من خير دق أو جل فهو صادر عن صفة الرحمة. (7)

وقوله صلى الله عليه وسلم: (واغفروا يغفر لكم) هذا كقوله تعالى: (وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) النور 22 قال الشنقيطي: فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عن إساءتهم ويصفحوا، وأصل العفو: من عفت الرياح الأثر إذا طمسته، والمعنى: فليطمسوا آثار الإساءة بحلمهم وتجاوزهم والصفح، قال بعض أهل العلم: مشتق من صفحة العنق، أي أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها: (ألا تحبون أن يغفر الله لكم) دليل على لأن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل. (8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت