وهنا قاعدة نفسية، في قوله: (إني أخشى أن يطول عليك الزمان وأن تمل) ، أن الإنسان لا ينظر إلى نشاطه الآن، ولكن ينظر إلى دوامه، النشاط يكون عارضًا، والدوام هو الذي ينظر إلى الأمر المتوسط منه، ولهذا جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: (أحب العمل إلى الله أدومه) ، أو (ما داوم عليه صاحبه) ، فينبغي للإنسان أن يحرص على الدوام، وألا ينظر إلى نشاطه العارض فيستكثر حتى ينقطع، وذلك أنه من تلبيس إبليس على بعض المقبلين على أبواب الخير من العمل أو العلم أو غيره، أن يفسح المجال لنفوسهم حتى يصلوا إلى أعلى مراتب العمل في ابتداء النشاط، حتى يتخيل أو يتصور الإنسان ألا قرين معه، وإنما أطلقه القرين لأنه يريد به أن ينقطع، ولهذا ينبغي للإنسان أن يسوس نفسه لا أن يدع الشيطان يسوسها، وهذا أمر في سائر الأعمال، وكذلك في سائر الطاعات، سواء كان من العلم أو كان من العمل. قال: [حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة (ح) وحدثنا أبو بكر بن خلاد قال: حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة عن قتادة عن يزيد بن عبد الله بن الشخير عن عبد الله بن عمرو، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث) ] . جاء عن بعض الصحابة أنهم قرءوا القرآن في ليلة، كما روي عن عثمان وعن تميم، وجاء أيضًا عن بعض التابعين، ولكن يظهر هذا أنه أمر عارض لا دائم، والأمور العارضة يسوغ فيها ما لا يسوغ في الدوام، وذلك أن الإنسان مهما أوتي من المعرفة بالتأويل، والمعرفة بالمعاني والنصوص، إذا قرأ القرآن كله في ليلة أو قرأه وداوم على ذلك يوميًا، فإنه لا يمكن أن يستوعب ما فيه من أحكام، ولهذا نقول: إن الإنسان إذا قرأ القرآن وأقام الحدود وفهم المعاني، ولو أبطأ وتأخر، شريطة ألا يجاوز في ذلك أقصى الحد، من الشهر إلى الأربعين، أفضل ممن دونه مع قصور الفهم.