فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 1205

وذلك أن تفكر الإنسان فيما لا يستطيع أن يصل فيه إلى غاية ونتيجة يوصله إلى الحيرة، ومن ذلك مسألة القدر، ولهذا يقول أبو حنيفة عليه رحمة الله: هذه مسألة مقفلة ضاع مفتاحها، ويقول ابن تيمية رحمه الله: ما من أحد من الناس إلا وفي نفسه حسكة من هذه المسألة، يعني: أنه لا يجد حلًا لاسترسال تفكيره بمسائلها، ولهذا ينبغي للإنسان في ذلك أن يؤمن وأن يسلم؛ لأنه لا يدرك كل شيء، وعقله وإدراكه في ذلك محدود، وذلك كبقية حواسه من جهة سمعه وبصره ونحو ذلك، فالإنسان لا يستطيع أن يسمع كل شيء، كما أنه لا يستطيع أن يدرك كل الحقائق، كذلك البصر لا يستطيع الإنسان أن يتأمل فيه كل شيء، فإذا نظر إلى الشمس في الظهيرة أحرقت عينه، وزادته تحيرًا، كذلك الإنسان لا يستطيع أن يسمع الضجيج الشديد، فربما أضره، كذلك التفكر في بعض الحقائق التي لا يدركها الإنسان تضره وتفسد عليه عقله، ولهذا نقول للإنسان في ذلك: أن يسلم فيما أخبر الله جل وعلا به ويؤمن. قال: [فقلت: أبا المنذر! إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري، فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به، فقال: لو أن الله عذب أهل سمواته وأهل أرضه، لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم لكانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو كان لك جبل أحد ذهبًا -أو مثل جبل أحد- تنفقه في سبيل الله، ما قبل منك حتى تؤمن بالقدر، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وأنك إن مت على غير هذا دخلت النار، ولا عليك أن تأتي أخي عبد الله بن مسعود فتسأله. فأتيت عبد الله فسألته، فذكر مثل ما قال أبي، وقال لي: ولا عليك أن تأتي حذيفة. فأتيت حذيفة فسألته، فقال مثل ما قالا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت