وأشبه الفلسفة بالحبل المتشابه الطويل الذي يبحث الإنسان عن طرفيه والله عز وجل أعطاه طرفه الأول وأعطاه طرفه الثاني، ثم يبحث، فإذا ابتعد به ثني الحبل عن طرفه شك، وإذا قرب من الطرف تيقن، ثم يتقلب من شك ويقين حتى يصل، وربما مات ولم يصل، ولهذا الفلاسفة دخلوا في أمور الفلسفة كحال تتبع الإنسان في الحبل يذهب ويجيء يريد بذلك أن يثبت اليقينيات القطعيات التي أثبتها الله في كتابه بعقله المجرد، فتقرب به منه الحقيقة وتجتمع القرائن موافقة لكلام الله ثم تبتعد به مرة أخرى، ثم تقرب به، ثم تبتعد مرة أخرى، ولا يحصل من ذلك شيء. ولهذا يتمنى من مات منهم أن يموت على عقائد العجائز؛ لأن الشريعة ما جاءت لتحير، وإنما جاءت لتدل وتهدي، الشرائع ما جاءت لتحير الناس، بل تدلهم وتهديهم، أن يأخذها الإنسان بأسهل سبيل، هذه القاعدة التي اختلت عند كثير من الناس اختلت لوازمها، فاختلوا من جهة البحث، والنظر، وضعف لديهم التسليم.
قال المصنف رحمه الله: [باب اجتناب الرأي والقياس. حدثنا أبو كريب، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وعبدة، وأبو معاوية، وعبد الله بن نمير، ومحمد بن بشر (ح) وحدثنا سويد بن سعيد، قال: حدثنا علي بن مسهر، ومالك بن أنس، وحفص بن ميسرة، وشعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، فإذا لم يبق عالم اتخذ الناس رءوسًا جهالًا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا) ] .